شبكة الهداية الإسلامية

لماذا أحبط المسلمون؟

Tue 2013-8-27 19:25:56
عدد الزيارات: 3664

لماذا أحبط المسلمون؟

بسم الله الرحمن الرحيم 

إنه لمن العجب حقاً أن تحبط أمة تملك كتاباً مثل القرآن، وحديثاً مثل حديث رسول الله

وإنه لمن العجب حقاً أن ييأس شعب له تاريخ مثل تاريخ المسلمين، وله رجال أمثال رجال المسلمين! 

وإنه لمن العجب حقاً أن يقنط قوم يملكون مقدرات كمقدرات المسلمين، وكنوزاً مثل كنوز المسلمين! 

عجيبٌ حقاً أن تقنط هذه الأمة، وقد قال ربها في كتابه: ﴿ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾.. 

لكنها حقيقة مشاهدة، وواقع لا ينكر.. 

والواقع أن غياب الأمل، وضياع الحلم، وانحطاط الهدف.. 

كارثة مروعة حلت على المسلمين، ومصيبة مهولة لا يرجى في وجودها نجاة. لابد أن الذي زرع اليأس في قلوب بعض المسلمين أمر تعاظم في النفوس الواهنة، وحدث أكبرته القلوب الضعيفة، فخضعت خضوعاً مذلاً حين كان يرجى لها الانتفاض، وركعت ركوعاً مخزياً حين كان يرجى لها القيام.

لابد أن نقف وقفات ووقفات، لنحلل وندرس ونفقه:

لماذا صرنا إلى ما صرنا إليه؟!

وكيف السبيل لقيام وسيادة وصدارة ومجد؟

أما لماذا صرنا إلى هذا الوضع؟ فهذا يرجع إلى عوامل عديدة، وتراكمات مختلفة، نستطيع أن نقسمها إلى قسمين كبيرين:

- (القسم الأول): هو واقع صنعه المسلمون بأيديهم لما فرطوا في دين الله، وابتعدوا عن منهج الله، واستهانوا –وأحياناُ تحالفوا!- بأعداء الله.

- أما (القسم الثاني): فهو مؤامرة بشعة، نسجت خيوطها على مدار أعوام طويلة، وتعاون على التخطيط لها طوائف مختلفة من أعداء الأمة.

 

أولاً: الواقع الذي يعيشه المسلمون:

§ الواقع الذي يعيشه المسلمون من هزائم متكررة، بدءاً من سقوط الخلافة العثمانية، ومن سقوط فلسطين، وإعلان إسرائيل في1948م، ومن هزيمة مرة في 1956م، -لولا الرئيس الأمريكي أيزنهاور، الذي جعل المسلمين يصورون الحدث وكأنه نصر، بل ويحتفل به بعد ذلك!- ومروراً بنكسة 1967م وتدمير الجيش المصري والسوري، وضرب كل المطارات -حتى المطارات الداخلية جداً، مثل: المنيا، والأقصر، والغردقة، وأبو صوير- في هزيمة كبيرة منكرة. حتى نصر أكتوبر 1973م -والذي كان نصراً مجيداً حقاً- أتبع بثغرة مرة، وبوقف لإطلاق النار، وبخسارة سريعة لمكاسب هائلة.

§ الواقع الذي يعيشه المسلمون من خيانات مستمرة في أطراف كثيرة متفرقة من العالم الإسلامي، أدت إلى ضياع البلاد والعباد، وأدت إلى غياب القدوة، وفقد الثقة في كل من يقود.

§ الواقع الذي يعيشه المسلمون من إباحية في وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية، ومجاهرة بكل فسق ومجون وانحلال، وافتخار بكثير من الموبقات، وإهمال لمشاعر أمة كاملة عاشت قروناً وهي تحترم كل قانون إسلامي، وكل أدب إسلامي، وكل عرف إسلامي.

§ الواقع الذي يعيشه المسلمون من سرقات واحتيالات، ورشوة وفساد، وهروب بمليارات من أموال المسلمين، بينما يتضور بعضهم –أو كثير منهم– جوعاً.

§ الواقع الذي يعيشه المسلمون من انهيار للاقتصاد، وديون متراكمة، وإفلاسات مشهرة، وسيطرة هائلة للاقتصاد الأجنبي على معظم مقاليد الأمور في البلاد الإسلامية، واتساع مهول للفجوة بين طائفة الأغنياء القليلة جداً وبين طائفة الفقراء -أو المعدمين– عظيمة الاتساع.

§ الواقع الذي يعيشه المسلمون من فرقة وتناحر وتشاحن بين المسلمين، حتى قل أن تجد قطرين متجاورين لا يتنازعان على الحدود والأفكار وأحياناً على العقائد. بل وقد يمتد الصراع أحياناً –أو كثيراً- بين المتمسكين بهذا الدين من أبناء المسلمين.

هذا الواقع يورث في نفوس بعض المسلمين -أو في نفوس كثير من المسلمين!- إحباطاً ويأساً يشعرون معه أن القيام من جديد -إن لم يكن صعباً- فهو من ضروب المستحيل.

 

ثانياً: المؤامرة الفكرية على الإسلام:

والمؤامرة على الإسلام قديمة جداً، وطويلة جداً، وذات أبعاد كثيرة، وليس المجال متسعاً لشرح أبعاد المؤامرة بالكامل، ولكن ما يهمنا في هذا المقام هو الحديث –بإيجاز- عن أحد أبعاد هذه المؤامرة، وهو: (البعد الفكري) منها.

لقد دأبت طوائف شتى من أعداء الأمة على العمل على انحراف أفكار الأمة عن الفكر الإسلامي الصحيح، ومن ثم تفقد الأمة المقياس السليم للحكم على الأمور.

وكان أحد الأهداف الواضحة والمحددة لهذه المؤامرة هو = زرع بذور اليأس في قلوب المسلمين، وإقناعهم باستحالة النهوض من هذه الكبوة التي وقعوا فيها.

لكن بدايةً...

من هم هؤلاء المتآمرون على الإسلام؟!

لقد اشترك في هذه المؤامرة الكثيرون:

(1) المستشرقون: وهم طائفة من العلماء الأوربيين، أكل الغل قلوب معظمهم، وحرق الحقد صدور غالبيتهم، وأعمي الحسد بصائر جلهم، فجاءوا يتعلمون الإسلام، ويدرسون تاريخه ورجاله ومنهجه، لا ليهتدوا بهداه، ولكن ليطعنوا فيه، وليلبسوا على المسلمين دينهم.

انتشرت كتبهم، وعمت أفكارهم، وطغى تحليلهم، وباتوا شوكة حامية في حلق المسلمين.

(2) المستغربون: لقد تبع هؤلاء المستشرقين طائفة أخرى يحلو لي أن أسميها طائفة المستغربين. وهم من أبناء المسلمين الذين فتنوا بالغرب، وتاقت نفوسهم إليه، واستغل الغرب الفرصة، ومدوا إليهم أيديهم بالسوء، وصنعوهم على أعينهم، ودسوا في عقولهم أفكارهم، ثم أعادوهم إلى أوطانهم. يحبطون أبناء جلدتهم، ويشككونهم في دينهم، ويقنطونهم من القيام إلا بإتباع الغرب، حتى أن بعضهم كان يقول: (إن بلادنا لن تتقدم إلا إذا نقلت ما في لندن وباريس)، بحلوه ومره، وبحسنه وسيئه، وبمعروفه ومنكره!!

لقد ذهب أحدهم -وهو من أبناء الأزهر الحافظين للقرآن- إلى فرنسا فتعلم هناك، ثم عاد إلى بلاد المسلمين، يعلم تلامذته أن ينقدوا القرآن الكريم. فهذه آية قوية، وهذه آية ضعيفة. ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴾، وكان يقول لتلامذته: (ليس معنى أن القرآن ذكر وجود إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- أن هذا أمر حقيقي!! لابد من برهان مادي). وكان يقول لتلامذته: (إن الآيات المدنية أكثر نضجاً من المكية!!)، وكأن هذا من تراكم الخبرة! ﴿ تَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ﴾. وكان يكتب كتباً عن الصحابة -وبالذات في زمن الفتنة- فيطعن في كل من استطاع بلا خجل ولا مواربة، ثم إذا به يترقى في المناصب حتى يصبح وزيراً للتعليم! يربي ويعلم ملايين التلاميذ. وهكذا أصبح الشيخ الأزهري من دعاة العلمانية والإحباط، والأزهر منهم براء.

(3) المستعمرون: اشترك أيضاً في مؤامرة الإحباط المستعمرون الذين جثموا على صدور الأمة عشرات السنين، أذاقوها من العذاب ألواناً. في مصر، وفلسطين، وسوريا، ولبنان، وليبيا، والجزائر، وتونس، والمغرب، واليمن، والسودان، والعراق، والكويت، وفي كل بلاد المسلمين..

(4) بعض الحكام: اشترك في المؤامرة أيضاً بعض الحكام المسلمين الذين أقنعوا شعوبهم أنهم لا طاقة لهم اليوم بجالوت وجنوده. ولا سبيل لحرب الدول (الكبرى). وأنهم إن لم يكونوا تبعاً لهذا فليكونوا تبعاً لذاك. وأن الفجوة بيننا وبينهم لا تعد بالسنين بل بالقرون.

(5) السلبيون من المسلمين: وهي طائفة كبيرة قد تدرك الحق لكنها لا تعمل له، وقد تعرف المعروف ولكنها لا تأمر به، وقد ترى المنكر ولكنها لا تنهى عنه. إنهم ينتظرون إما حلاً من السماء، أو من غيرهم من أهل الأرض! ليس لهم عمل إلا الانتقاص من غيرهم، ونقد العاملين الحاملين للواء هذا الدين.

ماذا فعلت هذه الطوائف الهمجية؟

لقد فعلوا جرائم عدة، فعلى سبيل المثال:

1- جريمة تزوير التاريخ: وهي جريمة بشعة لا يتسع المجال للخوض في تفصيلاتها الآن -وقد أفردت لها محاضرة خاصة- لقد كذبوا وزورا، والتقطوا الضعيف والموضوع، وأعرضوا عن الصحيح والحسن، ونقبوا عن المصائب. ولابد أن في تاريخ كل أمة مصائب. وتركوا الأمجاد والفضائل.

ركزوا على الجوانب السياسية بمشكلاتها، وأغفلوا الجوانب الأخلاقية، والعلمية، والمعمارية، والعسكرية، والاقتصادية، والفكرية، والأدبية، وغيرها من جوانب الحضارة..

أساءوا التأويل عن عمد، وطعنوا في الشرفاء عن قصد، فخرج التاريخ إلينا مسخاً مشوهاً، يستحي منه الكثير، ويتناساه الأكثر، واقتنع المعظم بأنه إذا كان السابقون الأولون علي هذه الشاكلة، فكيف يرجى خير ممن لحق! لقد كانت حقاً جريمة كبرى!!

2- جريمة تشويه الواقع: فهم طمسوا تاريخ المسلمين المشرق، فليطمسوا واقعهم وحاضرهم. فليشترك المربون والإعلاميون من المستغربين في تغييب الأمة، وزرع اليأس في القلوب، وليساعد الإعلام الغربي في هذه المهمة، فتسمى الأشياء بغير أسمائها، فليكن الالتزام بالإسلام مرادفاً للإرهاب!، وليكن الحجاب مرادفاً للتزمت!، وليكن تطبيق الشرع مرادفاً للرجعية والجمود والتخلف.

إذا أجرم مسلم في الغرب قالوا أجرم مسلم، وكذلك إذا أجرم مسلم ملتزم بإسلامه في بلاد المسلمين ذكروه بصفته الإسلامية. أما إذا أجرم نصراني فإنهم يذكرونه باسمه لا بدينه! كما في حادث تفجير (أكلاهوما) المشهور في أمريكا سنة 1995م حيث قالوا فعلها المسلمون، فلما تبين أن الذي فعلها نصراني قالوا فعلها "مكفاي" باسمه لا بديانته!!

إذا أساء مسلم قالوا أساء مسلم، وإذا نبغ مسلم في علمه قالوا نبغ مصري، أو سوري، أو باكستاني، وصفوه بقوميّته.

وآهٍ من تصوير الملتزمين بالإسلام في وسائل الإعلام!

كم من المرات يأتون بالشيخ، أو المأذون في صورة هزلية مضحكة!

كم من المرات يأتون بالمسلمين في الأفلام التي يطلقون عليها إسلامية وهم في صوره عجيبة! ينظرون نظرات حالمة، وأبصارهم معلقه بالسماء، ويبتسمون في بلاهة، ويتحركون ببطء شديد، وكأن الإنسان إذا أسلم لابد أن يتخلّف عقلياً بهذه الصورة!!!

كم من المرات يأتون بمن التزم طريق الإسلام ينقلب من الحديث بالعامية إلى الحديث بالعربية الفصحى، وليتها الفصحى الرائعة التي أنزل الله بها القرآن، والتي تحدث بها خير البشر رسول الله ، ولكنهم يأتون بالمسلمين يتحدثون العربية في تنطّعٍ وتقعر شديدين، والذين حوله من الناس لا يفهمون، وينظرون إليه مستنكرين. سبحان الله! مع أن اللغة العربية من أرقي -بل هي أرقى- لغات العالم أجمع.

3- جريمة تعظيم الغرب: فبعد أن حطموا النماذج الإسلامية في التاريخ والواقع رفعوا لك جداً من قيمة الغرب، حتى لا يبقي أمامك خيار إلا الإتباع الذليل، والتقليد الأعمى. عظموا سلاح الغرب، ومدنية الغرب، وأخلاق الغرب، وعقل الغرب، وأدب الغرب، وفن الغرب، بل وعظموا لغة الغرب! حتى افتتن المسلمون. وأصبح الرجل يحرص على تعليم الإنجليزية لابنه أكثر من حرصه على العربية، وحتى تدرّج الأمر بنا إلى أن ابتلينا بما أطلقوا عليه مدارس إسلامية (للغات)!، بحجة أننا يجب أن نعلم أبناءنا لغة الغرب لندعوهم إلى الإسلام! أتتعلمها علي حساب لغتك؟ وبحجة أن الأعمال المرموقة لابد لها من لغة أجنبية جيدة. هل على حساب لغة القرآن؟! وحتى لو أتيت لابنك بمعلم للعربية في البيت، سيظل الطفل معظماً للغته الأولى في مدرسته. أنا لست ضد تعليم الأطفال لغة أجنبية (ثانية)، ولكن بشرط أن تكون فعلاً لغة (ثانية)!! لا أن ندرس للأطفال العلوم، والرياضيات، والجغرافيا، والتاريخ، باللغة الإنجليزية، أو الفرنسية، أو الألمانية، أو أي لغة أخرى إلا العربية!!

هل هذا منطق مقبول؟!

معظم البلاد التي ترجو صدارة تعظم من لغتها، وتقدمها على غيرها.

في فرنسا لو خاطبت رجلاً بالإنجليزية ما رد عليك إلا متأففاً لاعتزازه بلغته. في ألمانيا كذلك إذا أردت أن تعيش هناك، فلا حديث إلا بالألمانية.

بل أكثر من ذلك.. لقد ذهبت إلى المركز الثقافي الإسباني أبحث عن بعض الصور الخاصة بتاريخ المسلمين في الأندلس. والله، ما وجدت عندهم كتاباً واحداً بالإنجليزية فضلاً عن العربية، لم أجد إلا كتباً باللغة الإسبانية فقط! وعندما قلت لهم: (إن اللغة الإسبانية محدودة جدا في مصر، وعليهم أن يأتوا بكتب مترجمة حتى نفهمها)، قالوا: (من أراد أن يعرف عنا شيئاً فليتعلم لغتنا). هكذا يعتزون بلغتهم المحدودة!

لقد أدّت جريمة تعظيم الغرب إلى فقد الطموح عند الشباب، وضعف الهمم، وهوان العزم، فيصبح أمل الشاب المسلم في الحياة أن يلقي بوطنه وأهله وراء ظهره، وينطلق إلي بلاد الغرب. إلى أمريكا وأوروبا، ليعيش في جنة الله في أرضه كما يزعمون!

وهكذا نتيجة هذه الجرائم والمؤامرات وغيرها أحبط كثير من المسلمين إحباطاً شديداً، ورضخوا للواقع، وقنعوا بالسير في ذيل الحضارة الغربية، ولا حول ولا قوة إلا بالله..