شبكة الهداية الإسلامية

عقوق الأبناء.. بدايته "أفٍ" ونهايته "جريمة"!

Mon 2014-03-03
عدد الزيارات: 3752

وبالوالدين إحساناً.. (تحقيق)

عقوق الأبناء.. بدايته "أفٍ" ونهايته "جريمة"!

لقد تعرض المجتمع السوداني لمتغيرات كثيرة أفرزت الكثير من الظواهر السالبة، فبعد أن كان مجتمعنا ملتزماً بالمعايير الدينية، والقيم الأخلاقية، وقواعد السلوك الاجتماعي المنضبط الذي تربينا عليه في احترام الوالدين  وتقديرهما والعناية بهما.

وأنه في السنوات الأخيرة برزت ظاهرة عقوق الوالدين، وتعددت أشكال وألوان العقوق بصورة تدل على  انحراف خطير في المجتمع عن شريعة االله سبحانه تعالى.

والإسلام قد جعل رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه سبحانه وتعالى في سخطهما، كما في الحديث الصحيح عند ابن حبان من رواية عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (( رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد )).

فبعد أن كان أفراد المجتمع السوداني يشمئزون لمجرَّد سماع جريمة قتل، أصبحنا اليوم نسمع عن جريمة قتل الابن لأبيه أو إمه، أو يقوم الابن بضربهما، وهذه ظاهرة تمثل مرحلة خطيرة.

ومما يؤسف له جداً وصول درجة عقوق الأبناء لآبائهم أن يتم قتلهما، الأمر الذي جعل (شبكة الهداية الإسلامية) تجري هذا التحقيق لتستعرض من خلاله صوراً ومشاهدات للعقوق، وللتعرف علي أسباب هذه الظاهرة؟ وأثرها علي المجتمع، وكيفية العلاج؟ ومعرفة الرؤية الشرعية والقانونية فخرجنا بالحصيلة التالية..

أجرته: منال صديق محمد

صور واقعية

حملت صفحات صحيفة المجهر كواحدة من الصحف السودانية خلال هذا الشهر صوراً من عقوق الوالدين من قتل وضرب، من بينها خبر يقول:

"وجهت المحكمة الجنائية بأمبدة، إلى شاب تهمة قتل والدته وشقيقه عمداً، وطعن شقيقته".

وجاء توجيه الإتهام بعد تلاوة المحكمة اعتراف المتهم القضائي، الذي ذكر فيه أن مشاكل قديمة حدثت بينه ووالدته، بسبب التحاق شقيقته بالجامعة.

وقبل إسبوع من الجريمة رفضت شقيقته أن تجهز له الطعام، بتحريض من والدتها.

وفي يوم الجريمة تناول سكيناً وحاول الانتحار، وعندما شاهدته والدته سدد لها عدة طعنات، كما طعن شقيقه وشقيقته!!

وجاء أيضاً:

"هدد شاب والدته بالقتل، وقام بضربها بحجر على يدها، وذلك بضاحية "جبرونا" بدار السلام، وقالت والدة الشاب عند مثولها أمام مولانا سليمان خالد موسى قاضي المحكمة الجنائية بدار السلام قالت:

" إن ابنها هددها بالقتل، وأصابها في يدها بحجر، وعند استجواب المحكمة للابن أقر، وبرّر بأنه كان تحت تأثير السكر".

وبناء على اعترافه - والبينات المقدمة في مواجهته – قضت عليه المحكمة بالسجن (6) أشهر للأذى البسيط، و(3) أشهر للإرهاب، مع تغريمه (500) جنيه، وجلده أربعين جلدة..

وهنالك خبر آخر يقول أكملت نيابة الحاج يوسف إجراءاتها في قضية:

"شاب متهم بقتل والده طعناً بالسكين، وحولت الملف إلى المحكمة، وكانت مشادة كلامية قد نشبت بين الابن ووالده حول الرحيل إلى منزل غير الذي يسكنون فيه، واحتدم فحمل الأول سكيناً - حسب الاتهام - طعن به الثاني، فتوفي متأثراً بجراحه".

وبعد الإجراءات وجهت النيابة إلى الابن تهمة القتل العمد تحت المادة (130) من القانون الجنائي، وحولت القضية إلى محكمة الحاج يوسف برئاسة مولانا عباس محمد خليفة.

سلوك تربوي

عقوق الأبناء لآبائهم قد يعود لأسباب كثيرة حسبما يقول محمد مصطفى ناصر استاذ بمرحلة الأساس بأن عقوق الأبناء للآباء ظاهرة موجودة في المجتمع منذ القدم، ولكنها في السنوات الآخيرة أخذت منحنى خطير جداً لأنها تطورت الى حد القتل، ويعتقد مصطفى بأن التدليل الزائد من قبل الآباء للأبناء.

وأضاف بأن إهمال الآباء لأبنائهم، وإنشغالهم بالجري وراء لقمة العيش، مع تأثير الفضائيات، والوسائط الإعلامية المتعددة التي لا تستخدم فيما ينفع، كالأنترنت، وما تبثه من ثقافات بعيدة عن القيم والأخلاق الكريمة أثرت كثيراً في هذه الأجيال.

فكانت النتيجة أن أفرزت ظواهر سالبة كثيرة، وأشدها خطورة على المجتمع ظاهرة العقوق، والتي بلغت إلى حد قتل الأبناء لآبائهم.

ويرى محمد مصطفى بأن علاج هذه القضية يكون  بإتباع الأسلوب التربوي الصحيح مع ضرورة أن يكون الاباء قدوة حسنة لابنائهم  فضلاً عن الدعاء لهم.

أقرار بالذنب

 فيما أعربت إحدى الأمهات عن أسفها لأسلوبها التربوي الخاطئ لابنتها حيث قالت (س.ع) أم لابنة متعلمة تعليم جامعي: "نحن كأمهات مسئولين عن كثير مما نتعرض له من أبناءنا.

وتقول (س) بأن لها ابنة واحدة وقد عانت كثيراً في تربيتها بعد أن طلقني أبوها وتزوج بأخرى، ولم يسال عنها. 

وبحكم عملي ووضع أسرتي المادي لم احتاج لأحد في تربيتها، وقد علمتها إلى أن وصلت الجامعة، وكنت أدللها كثيراً، ولم أكن أرفض لها طلباً.

واستمر هذا الحال حتي بعد أن تزوجت، ورزقت بأبناء، وقد ربيتهم بدلاً عنها بحكم إنها (تعمل)..

ولكن للأسف ابنتي الوحيدة لم تحسن معاملتي في يوم من الأيام، ولم تقدر ما قدمته لها طيلة عمري، بل والمؤسف أنها اصبحت تطالبني بأن أترك عملي، وكل مجاملاتي وأهتم بابنائها.

وقد بلغت من العمر والمرض ما لا يمكنني بالقيام بأعباء أبنائها، ولكنها لا تهتم لذلك وكثيراً يضيق بي الحال فاهددها بترك البيت، والذهاب للعيش مع بنات أختي المتوفيه، ولكنني أتراجع خوفاً على ابنتي من كلام الناس.

وختتمت (س) حديثها قائلة " والله يا أستاذة التدليل الزائد، وإخفاء الأم لما يعمله الأبناء عن آبائهم هو السبب؛ ولكنها تراجعت عن حديثها قائلة: "اليوم لا عذر لأحد، فالجميع  أصبحوا متعلمين، وعارفين للمعاملة التي يجب أن يعامل بها الوالدين" وتركتني قائلة أسال الله الهداية لابنتي ولغيرها.    

مخالفة للفطرة

من جانبه يري الأستاذ وحيد عبد الرحيم ناشط اجتماعي أن عقوق الوالدين خروج عن الدين ومخالفة للفطرة، واصفاً له بأنه مؤشر واضح لزيادة العنف في المجتمع السوداني الذي كان سمحاً ومتسامحاً لدرجة أن أبدان أفراده تقشعرُ لمجرد سماع جريمة القتل.

وقال عبد الرحيم بأن مرد ذلك إلى التربية والتنشئة التي  ينقصها الجانب الديني والأخلاقي، مبيناً أن ذلك ثمرة وحصاد ما غرسه الوالدين في الماضي.

وأبان أن للقدوة الحسنة أثر كبير فإسلوب التربية إذا لم يكن سليم بحيث يجنب الأبناء الانفلات والعقوق يمكن أن يصل الأمر أشد أنواع العقوق وهو القتل.

وأشار وحيد إلى ضرورة التعامل مع القضية بصورة تتناسب وحجمها، موضحاً بأن الظاهرة وصلت إلى درجة قتل الابن لأبيه فهي تحتاج لوقفة سلوكية وتربوية وأسرية واجتماعية.

وطالب بضرورة تضافر جهود الأسرة، ومنظمات المجتمع المدني، والدولة متمثلة في مؤسساتها التربوية المختلفة بزيادة الجرعات التربوية.

وأضاف أن الإعلام يقع عليه دور متعاظم في تناول مثل هذه القضايا مع ضرورة التركيز على الجانب السلوكي والتربوي والأخلاقي والاجتماعي، منوهاً على أن لأئمة المساجد دور يجب أن يؤده بتناول القضايا المجتمعية الماثلة أمامنا اليوم وتقديم الحلول التي تقضي على هذه الظاهرة.

نفسية مضطربة

وفي جانب آخر أشارت الأستاذة مي النجومي اختصاصي علم النفس إلى أن هناك أسباباً نفسية تقود إلى عقوق الابناء لأبائهم حيث أن العقوق قد يكون نتيجة لإهمال الأبوين لأبنائهم.

وربما يكون بسبب حرمان الأبناء من النواحي العاطفية أو المعنوية أو حتي المادية إذ أن الحرمان يتسبب في (خدش نفسي)، ويخلق الغبن تجاه الوالدين.

إضافة إلى أن عدم رضى الأبناء عن آبائهم في جانب السلوك، كأن يكون الأب مدمن أو للأم سلوك غير أخلاقي، مما يحدث اضطرابات للأبناء توصلهم إلى حالة نفسية قد تصل إلى الضرب أو القتل.

ومعلوم أن ردود الفعل تختلف من شخص لآخر، وكذلك درجة تحمل الحرمان، اضافةً  لذلك فهنالك أسباب أخرى تتعلق بمرض "انفصام الشخصية" أو حالات "الإدمان" التي تدفع إلى الضرب والقتل.

ومن الممكن أن يكون العقوق بدرجة أخف كـ"رفع الصوت، والتزمر، والضيق، وربما تصل لعدم الإنصياع لأوامر الوالدين أو تحقيرهم أو الإساءة إليهم، أو بترك البيت.

ومهما كانت درجة العقوق ففيه مخالفة وتعارض للغريزة الإنسانية، فمهما كان تقصير الآباء تجاه أبنائهم فالأصل في الطبيعة البشرية، وسابق لذلك كوننا مسلمين فإن بر الوالدين والإحسان مجبول عليها كل إنسان، لذلك حض وحث وأوصى بل وأوجبها علينا ديننا الحنيف.

شرعية وقانونية

فيما أرجعت الأستاذة تهاني يعقوب محامي الأحوال الشخصية أسباب عقوق الوالدين للفساد الاخلاقي بسبب التأثر بالتكنولوجيا والفضائيات المفتوحة بلا رقابة وأفلام العنف والأفلام الإباحية.

وأوضحت الأستاذة تهاني أن تأثيرها بكونها غزت الكثير من الأبناء بسلوكيات غير رشيدة، تدفع بالفتاة أو الشباب للإساءة لوالديهم لاسيما عندما يقومون بإرشادهم وتوجيههم.

وتضيف أنهم وصلوا إلى درجة يرون بأن ليس لإبائهم حق عليهم في ذلك، معتبرين بأن دورهم قد توقف في إخراجهم للدنيا، متناسين حقوق الوالدين فقد ربط الله سبحانه وتعالى رضاءه برضا الوالدين.

وأبانت محامي الأحوال الشخصية في حديثها لـ (شبكة الهداية الإسلامية) أن حسن معاملة الوالدين للأبناء يُولّد حب للوالدين، ومحصلته الإحسان إليهما وبرهما، بخلاف  إذا ما أساء الآباء معاملتهم فإنهم العقوق يكون لما زرعه الأبوين.

وأوضحت أن القانون يعاقب الأبناء العاقين أن يذهب بهم إلى دور الإصلاحية لتأديبهم وإصلاحهم، أما إذا بلغ الأنباء سن الرشد فيصبح كل ابن مسؤول مسئولية شرعية ومجتمعية، ويخضع للمحاكمة والمحاسبة.

فإذا أشتكى أحد والديه توقع عليه العقوبة، والتي تختلف من شخص لآخر بإختلاف العقوق، تتدرج من الإرشاد، حيث ترشده المحكمة الى الرجوع عن السلوك القويم تجاه والديه، وقد يتم الصلح بينهم بالمحكمة.

أما إذا ساءت العلاقة أكثر تأتي العقوبة، وتكون تقديرية يحددها قاضي المحكمة، فيمكن أن يُحكم على الابن العاق بالسجن، وتتراوح مدته على حسب درجة عقوقه  وفي الكثير من الحالات التي تقابلنا بالمحاكم بعض الوالدين يتنازلوا عن حقهم رأفة بأبنائهم.

ولكن عندما يصل العقوق إلى درجة القتل، والذي غالباً ما يكون بسبب الخمر أو الإدمان أو الاضطراب النفسي أو لأي سبب آخر، فالعقوبة هي القصاص عقوبة القتل العمد.

وكثير من هذه الجرائم يتم العفو من الورثة عن حق القصاص كالأخوة أو الأب إذا كانت المقتولة هي الأم أو الأخيرة إذا كان المقتول الأب.