استغلال الوقت | شبكة الهداية الإسلامية

شبكة الهداية الإسلامية

استغلال الوقت

Tue 2014-3-11 09:50:50
عدد الزيارات: 1451

استغلال الوقت

بسم الله الرحمن الرحيم

- القسم بالزمان لشرفه وأهميته.

- يوم القيامة يوم عدل، يسأل الله كلًا عما صنع في عمره.

- شغل الأوقات بذكر الله، وطاعته.

- كيفية شغل الناس إجازاتهم السنوية.

- فتوىٰ الشيخ ابن عثيمين -رحمه لله- في صحون القنوات الفضائية.

- كيف نحمي أبناءنا من خطر التلفاز؟

- خاتمة.

 

القسم بالزمان لشرفه وأهميته:

يقول الله -عز وجل- في كتاب العزيز: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: 62]، وأقسم الله -عز وجل- بالزمن فقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 1- 3].

هـٰذا الوقت إما أن يكون الإنسان خاسرًا فيه، فيُكتب عند الله من الخاسرين، وإمّا أن يكتب عند الله تعالىٰ من الفائزين، وذٰلك بحسب استغلاله لهـٰذا العصر، بحسب استغلاله لعمره، ولذٰلك أقسم الله -سبحانه وتعالىٰ- بأول النهار وبآخر النهار، قال الله -عز وجل-: ﴿وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ [الضحىٰ: 1- 2]، وقال -عز وجل-: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ [الليل: 1- 2]، وأقسم الله تعالىٰ بالفجر فقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: 1- 2]..

لماذا يقسم الله تعالىٰ؟

يقسم ربنا بهـٰذه الأوقات حتىٰ نعلم قيمتها، وحتىٰ نصونها، ونحفظها، ولا نعمل فيها إلا خيرًا، فهـٰذا العمر الذي تعيشه هو المزرعة التي تجنىٰ ثمارها في الدار الآخرة، فإن زرعته -أيها العبد- بخير، وعملٍ صالح = جنيت السعادة والفلاح، وكنت من الذين يُنادىٰ عليهم في الدار الآخرة ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة: 24]، وإن ضيعّته بالغفلات، وزرعته بالمعاصي والمخالفات = ندمت يوم لا تنفعك الندامة، وتمنيت الرجوع إلىٰ الدنيا يوم القيامة، فيقال لك: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ [فاطر: 37].

 يوم القيامة يوم عدل، يسأل الله كلًا عما صنع في عمره:

لقد صَحّ عن الرسول أنه قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّىٰ يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ»، فهـٰذا العمر هو أعَزُّ شيء لديكم، فلا تضيّعوه، ولا تفرطوا فيه، فإن الله -عز وجل- جعل في كل يوم وظائف لعباده من وظائف طاعته، منها: ما هو فرض كالصلوات الخمس، ومنها: ما هو نافلة كنوافل الصلوات، والذكر، وغير ذٰلك.. وقد جعل الله -سبحانه وتعالىٰ- للشهور وظائف؛ كالصيام، والزكاة، والحج، ومن هـٰذه العبادات ما هو فرض، ومنه ما هو نافلة، وجعل الله -سبحانه وتعالىٰ- لبعض الأوقات فضلًا علىٰ بعض في مضاعفة الحسنات، وإجابة الدعوات، كالأشهر الحُرم، وشهر رمضان. قال الله -عز وجل- عن الأشهر الحرم: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلك الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ [التوبة: 36]، وكان الرسول يُعظم تلك الأشهر الحرم، وكان الرسول يصوم محرم، وشهر رمضان، وليلة القدر، وعشر ذي الحجة، ويوم عرفة، ويوم الجمعة.

شغل الأوقات بذكر الله تعالىٰ وطاعته:

وما من موسم من تلك المواسم إلا ولله نفحات، يصيب به من يشاء برحمته، والله -عز وجل- قد أمرنا بشغل الأوقات بذكره وطاعته فقال: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران: 41]، كما تكون في أول النهار ذاكرًا كذٰلك تكون ذاكرًا في آخر النهار. قال -عز وجل-: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً [الأعراف: 205]، وإذا مللت من ذكر ربك جهارًا فلا تَمَلّن من ذكره في نفسك تضرعًا وخيفةً ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين.

وما حجر الله -عز وجل- علينا شيئًا في الذكر، ما خَصّ الشارع لنا شيئًا معينًا من الذكر، أو طريقة معينة من الذكر، بل فتح الباب، فقال -عز وجل-: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هـٰذا بَاطِلاً [آل عمران: 191]، فعلىٰ الفراش تستطيع أن تذكر الله، وأنت سائر إلىٰ عملك تستطيع أن تذكر الله، وأنت منتظر أحدًا تستطيع أن تذكر الله، فلذٰلك قال الله سبحانه: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم: 17- 18].

كيفية شغل الناس إجازاتهم السنوية:

اجعل حياتك بين التسبيح لله -عز وجل- وبين حمده، فإذا عرفنا هـٰذا ونحن علىٰ أبواب الإجازة الصيفية، فماذا نحن عاملون؟ وعلىٰ أي شيء نحن مقدمون من الأعمال؟ أمّا فكرنا في ذٰلك؟ أما فكر الشباب كيف سيقضون أوقاتهم؟ أم أنهم يقضون أوقاتهم كيفما اتفق! وحسبما حَلا لهم! وحسبما وجدوا من الفرصة في ارتكاب ما نهىٰ الله -عز وجل- عنه!!

إن الناس في استغلال هـٰذه الأوقات الآتية علىٰ أصناف، و «كل الناس يغدو» كما قال : «فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها».

فمن الناس من يستغل هـٰذه الأوقات في الاستزادة من الخير، والاطلاع والعلم؛ فيقتنون الكتب المفيدة، ويحضرون المحاضرات القيّمة، يستمعون الذكر وأحاديث الرسول ، وربما رحلوا إلىٰ العلماء ليلتقوا بهم، ويجلسوا في حلقهم؛ فيستفيدوا فائدة عظيمة.

ومن الناس من يسافر لصلة أرحامه، فأرحامه في أشتات البلاد، فمن رحمٍ في الشمال، ومن رحمٍ في الجنوب، ومن رحمٍ في الغرب، ومن ثمّ فهو يرحل إلىٰ أرحامه، فيصلهم ويجلس معهم، ويذكرهم بالله -سبحانه وتعالىٰ-، فيكون -إن شاء الله- من الذين ينسأ الله لهم في أعمارهم، فيزاد في أعمارهم، ويبارك الله -عز وجل- لهم في أوقاتهم.

ومن الناس من يسافر بعائلته فيما أباح الله من ملكوت السموات والأرض، في هـٰذه البلاد التي إذا قورنت بغيرها من البلاد لوجدت فيها خيرًا كثيرًا، فلا تجد الإباحية المعلنة التي توجد في البلاد الخارجية حتىٰ البلاد الإسلامية! فيخرج بعائلته إلىٰ ما أباح الله من المناظر الطيبة، فيذكرهم بخلق الله -عز وجل- في أرضه وسمائه، فهـٰذا علىٰ خير -إن شاء الله تعالىٰ-، ومن أراد أن يفعل هـٰذا فعليه بالصحبة الطيبة، من أراد أن يأخذ عائلة أخرىٰ معه فعليه أن يبحث عن العائلة المحافظة، عن العائلة التي تقيم الصلاة، عن العائلة التي إذا سمعت (الله أكبر) تركت اللهو واللعب، واتجهت إلىٰ ذكر الله -سبحانه وتعالىٰ-.

ومن الناس من يشغل وقته بتوجيه النصح للمسلمين، وقد منّ الله عليهم بالعلم، فيخرج إلىٰ قريته، أو إلىٰ القرىٰ المجاورة لمدينته، فيعلم الناس التوحيد، ويعلم الناس الصلاة، والحلال والحرام، فهـٰذا مَن أحسن منه قولًا؟! ومَن أحسن منه فعلًا؟! كما قال الله -سبحانه وتعالىٰ-: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَىٰ اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: 33].

وصنف آخر من الناس -أسأل الله تعالىٰ- أن لا نكون منهم، هـٰذا الصنف شغل وقته بالحرام، فهو في ليله علىٰ اسطوانات الكمبيوتر التي تعرض الرذائل، أو علىٰ بعض قنوات التلفاز التي لا تبث إلا الحرام، فلا تبُث إلا ما يدمر الفضيلة والأخلاق، فهو ينتقل من قناة إلىٰ أخرىٰ، إذا انتهىٰ من فلمٍ ما انتقل إلىٰ فلم آخر، وهكذا حتىٰ يقضي وقته، ربما فات الفجر عليه، ربما نام عن صلاة الفجر، فإذا أصبح هام مع أصحابه! ربما إلىٰ ما حرم الله -عز وجل-، ربما إلىٰ النظر إلىٰ المحرمات، واللعب بالورق والشيشة والدخان، وغير ذٰلك والغيبة والنميمة.. فيصبح كما قال رسول الله -ونعوذ بالله أن نكون من هـٰذا الصنف-: «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ، سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ، حِمَارٍ بِالنَّهَارِ، عَالِمٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، جَاهِلٍ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ». فلا شغل له كما بيّن الرسول الله إلا ملذاته، ولا ينتقي الحلال، وإنما الحلال عنده ما حَلّ في يده، والحرام عنده ما عجز عنه، ولو استطاع أن يسافر إلىٰ بلاد الغرب لسافر لو كان يملك مالًا، فليس عنده حرام، وإنما الحرام عنده ما حُرم منه، وما عجز عنه!

صنف يسافر لقضاء الأوقات في المحرمات، يسافرون بعائلاتهم، يحزمون في مثل هـٰذه الأوقات أمتعتهم، ويقطعون التذاكر بالأموال التي أنعم الله تعالىٰ بها عليهم إلىٰ بلاد الكفر، إلىٰ البلاد التي تستباح فيها المحرمات، إلىٰ البلاد التي فيها ما فيها من معاقرة الخمور والزنا، فيأخذ نفسه أو يأخذ حتىٰ عائلته ليصيبهم شيء من ذٰلك الشقاء والبلاء، ويسيح بهم وينتقل بهم من مسرح إلىٰ مرقص، ومن مكان إلىٰ مكان فيه ما حرم الله -عز وجل-، ويستحي الإنسان أن يقول ما في تلك الأمكنة، فيرجع وقد انقضت الإجازة، انقضت العطلة، (وليس في حياة المسلم عطلة! إنما المسلم حياته كلها مشغولة، مشغولة بما ذكرنا من طاعة الله -سبحانه وتعالىٰ-)، فيرجع بعائلته وقد ندم، إن كان في قلبه ضمير! يُحسّ بتضييع تلك الأوقات، وقد ندم علىٰ ما شاهد من الحرام، وقد ندم علىٰ ما ضيّع من الأوقات، وقد يعود وقد حظي غيره بأجزاء من كتاب الله -سبحانه وتعالىٰ- حفظها، وقد يحظىٰ غيره بصلة الرحم، وقد يحظىٰ غيره بتوجيه الناس والاهتداء إلىٰ أمر الله -سبحانه وتعالىٰ-، فيكون هو قد خسر وفاز غيره وفلح!

إن هـٰذه الأوقات التي بين أيدينا يجب أن نتقي الله -سبحانه وتعالىٰ- فيها، إن الله -عز وجل- سائلنا عن هـٰذا العمر الذي نضيعه، وسائلنا عن كل دقيقة تمر بحياتنا، فكيف بالساعات الطوال؟ فكيف بالأيام الخالية؟ فكيف بالأشهر الماضية في اللهو واللعب؟

إن الله -عز وجل- سائلنا عن هـٰذا العمر، كما ذكر : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتىٰ يُسأل عن أربع»  ومن هـٰذه الأربع: «عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟».

فتوىٰ الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في صحون القنوات الفضائية:

هـٰذه فتوىٰ لسماحة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله- عن هـٰذه الهوائيات التي ترونها في بعض بيوت المسلمين، والتي ربما يتسابق بعض المسلمين لشرائها واقتنائها واستئجارها.

والسؤال هنا هو: انتشرت في الآونة الأخيرة ما يسمىٰ بـ: الدش أو #1575;لصحن الهوائي حيث ينقل القنوات الخارجية الكافرة وغيرها، حيث تعرض أفلام خليعة، يظهر فيها التقبيل واضحًا، والرقص شبه العاري، والكلام الساقط، والبرامج التي تدعو إلىٰ التنصير، فهل يجوز اقتناء هـٰذه الأجهزة، والدعاية لها، والتجارة فيها، وتأجير المحلات لهم؟ علمًا بأن البعض يدعي بأنه يشتريها لغرض مشاهدة الأخبار العالمية؟

الجواب: (بسم الله الرحمن الرحيم، قد كثر السؤال عن هـٰذه الآلة التي تلتقط موجات محطات التليفزيون الخارجي وتسمىٰ الدش، ولاشك أن الدول الكافرة لا تألوا جهدًا في إلحاق الضرر بالمسلمين عقيدة وعبادة وخُلقًا وآدابًا وأمنًا، وإذا كان كذٰلك فلا يبعد أن تبثّ من هـٰذه المحطات ما يحقق لها مرادها، وإذا كانت قد تدسّ في ضمن ذٰلك ما يكون مفيدًا من أجل التدليس والترويج، لأن النفوس لا تقبله بمقتضىٰ الفطرة ما كان ضررًا محضًا، ولٰكن المؤمن حازمٌ فطنٌ، عَلّمه الله تعالىٰ كيف يقارن بين المصالح والمفاسد، بين المنافع والمضار، وعنده من القوة والشجاعة ما يستطيع من خلاله التخلص من أوضار هـٰذه المفاسد والمضار، وإذا كان أمر هـٰذه الدشوش ما ذكر في السؤال فإنه لا يجوز اقتناؤها، ولا الدعاية لها، ولا بيعها، وشراؤها؛ لأن هـٰذا من التعاون علىٰ الإثم والعدوان المنهي عنه بقوله تعالىٰ: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَىٰ الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2]. نسأل الله تعالىٰ أن يهدينا وإخواننا صراطه المستقيم، وأن يجنبنا صراط أصحاب الجحيم من المغضوب عليهم والضالين)     كتبه: محمد صالح العثيمين.

كيف نحمي أبنائنا من خطر التلفاز؟

ولقائل أن يقول: (ما هو السبيل لإخراج هـٰذا الجهاز والتخلص منه؟)، إذ لا علاج ولا حل حقيقي إلا بإخراج هـٰذه الجهاز من البيوت، لأن هـٰذا الجهاز لا خير فيه، وكل عاقل يشعر بهـٰذا، فما هو السبيل العملي لكي يخرج الإنسان هـٰذا الجهاز، ما هو البديل لأبنائنا وما هو البديل لزوجاتنا؟ هل البديل هو أن أخرج هـٰذا الجهاز، وأكون غائبًا عنهم، غافلًا عنهم، أم البديل شيء آخر مما يفرح النفوس، ومما يجعل القلوب تقبل، إن الأطفال أمانةً في أعناقنا والطفل ينشأ علىٰ ما عوده أبوه:

وينشأ ناشئ الفتيان فينا ×× علىٰ ما كان عَوَدّهُ أبوه

وما دان الفتىٰ بحجىٰ ولٰكن ×× يعوده التدين أقربوه

إن الطفل أمانة في عنق الوالدين، ينشأ علىٰ ما يُنشأ عليه، ويرىٰ فيهم المُثُل والقدوة، ولما كان الطفل هو رجُل الغد، وحامل طبائع نشأت معه = كان لزامًا علىٰ المربين من الآباء والأمهات أن يصونوا الأمانة، ويحفظوها من الضياع، ويوجهوا أطفال المسلمين الوجهة السليمة، وثِقوا تمامًا أنه لن يضيع الأبناء إلا بإهمال آبائهم «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَىٰ الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَىٰ فِيهَا جَدْعَاءَ»، وهـٰذا جزء من حديث [متفق عليه]، ومن الرعاية للأبناء والأجيال القادمة الاهتمام الجِدّي بإخراج الوسائل المدمرة للأطفال من التلفاز والفيديو والمجلات الخليعة، والتعامل معها بحزم لا هوادة فيه، وبالأسلوب التربوي الحكيم الذي لا ينقلب إلىٰ ضده..

وهـٰذه بعض الوسائل التي بدت ليّ، لعل الله -عز وجل- أن ينفع بها:

- (في البداية): لابد من إشعار الأطفال بقيمة الوقت، فلا يتاح لهم قتل الساعات الطوال في اللهو واللعب بلا تقدير لقيمة الساعات التي تمضي، والوقت يُهدر بلا عمل مثمر، وفي المقابل لابد أن تكون قدوة له، وتحفظ أوقاتك، فلا تبدد عمرك في متابعة كل خواءٍ، فإن كنت تنصح ابنك باستغلال وقته فكن قبل ذٰلك مستغلًا لوقتك.

- (ثانيًا): تعويد الأطفال منذ الصغر علىٰ النوم مبكرًا ليلًا، فإن الله -عز وجل- جعل الليل سُباتًا والنهار معاشًا، فلا يجوز السهر الطويل في الليل، والنوم في النهار.

- (ثالثًا): تعريف الأبناء بأن الواجبات الدينية هي أقدس ما يحرص عليه، ويزرع في قلوبهم حب التعبد لله -عز وجل-، فلا يشغلهم أمرٌ عن الصلاة في وقتها المحدود، ولتثبيت هـٰذا الأمر خذ أبناءك إلىٰ المسجد، وعرفهم كيفية الصلاة، وكن جالسًا معهم في حِلق الذكر والنصيحة والتوجيه، حتىٰ يتعود الأولاد الاستماع إلىٰ نصيحة الوعاظ، وحتىٰ يتعودوا علىٰ الإتيان إلىٰ مساجد الله -سبحانه وتعالىٰ-.

- (رابعًا): تعليم الأبناء منذ صغرهم بالحلال والحرام، كثير من الآباء -هداهم الله- يهملون أبنائهم، فلا يعلمونهم الحلال والحرام! وإنما يعلموهم الطعام والشراب، وكيفية اللهو واللعب، لا يعلموهم الحلال والحرام، وأنّ من اقترف الحرام فإنه يُعذب، ومن أدىٰ الواجب وترك الحرام فإن الله -عز وجل- أعَدّ له جنة عظيمة عرضها السموات والأرض، فينبغي للآباء أن يعلموا أبناءهم الحلال والحرام، والخير والشر، حتىٰ يستطيعوا أن يميزوا ما يعرض عليهم، ويزنوه بميزان شرع الله -عز وجل-.

- (خامسًا): يعود الآباء أبنائهم علىٰ نبذ الأغاني الرخيصة للرجال والنساء، نبذ أصوات المعازف واللهو المتدني، وذٰلك منذ الصغر، وإذا كان في حوزة أبنائك من هـٰذه الأغاني ومن هـٰذه الموسيقىٰ فاستبدل هـٰذه الأشرطة بأشرطة القرآن، وأشرطة القصص للأطفال التي قد توفرت -ولله الحمد- في الأسواق. والحريص يُربي فيهم الحِسّ المرهف، بحيث تكره آذانهم سماع الموسيقىٰ، فإذا سمع أغاني أو سمع موسيقىٰ سارع بإغلاق الجهاز الذي ينبعث منه، أو يذم ذٰلك المغني.

- (سادسًا): يعرف الأبناء أن أكثر برامج التلفاز وأن المسلسلات والأفلام التي تعرض مصدرها الدول الأجنبية الكافرة المعادية للإسلام والمسلمين، والتي لا شيء أحب إليها من إفساد المسلمين، وصرفهم عن دينهم وخلقهم وتراثهم الخيّر، حتىٰ ينعموا دائمًا بالسيطرة علىٰ المسلمين، مع إعلام الأبناء أن اليهودية العالمية هي التي تسيطر علىٰ جميع وسائل الإعلام والوكالات في العالم، فلا تقدم لنا إلا الشر في ثوب برّاق خدّاع، ولك أن تأخذ شريط من الأشرطة التي تتكلم عن أعداء الإسلام، وتلخص هـٰذا الشريط وتقرأه علىٰ أبنائك، أو أن تسمع أبناءك ذٰلك الشريط، أو أن تقتني كذٰلك تلك الكتيبات التي فيها التحذير من أعداء الإسلام، فتقرأ علىٰ أبنائك ما يرد في هـٰذه الكتيبات من التحذير منهم.

- (سابعًا): لابد من تقديم البدائل وتوفيرها، وذٰلك بتنمية الهوايات المثمرة، بحيث يقضي معها الأبناء أوقات فراغهم، ومن ذٰلك المطالعة المفيدة، فتقتني الكتب المفيدة التي تتناسب مع أعمار أولادك من القصص المفيدة، والتي يبعد فيها الصور، ويبعد فيها الكلمات النابية، كذٰلك الاستعاضة عن التلفاز بأجهزة أخرىٰ ذات آثار تربويه، ومن أمثلة ذٰلك أن توفر لهم جهاز تسجيل مع أشرطة ليستمعوا بحرية إلىٰ جهاز التسجيل، ولا بأس أن تسمع لهم بأن يمسحوا شريطًا وأن يُفرغوا شريطًا وأن يملئوه، مع تهذيب التصرفات الشاذة التي قد تصدر منهم. وكذٰلك الدخول معهم إلىٰ عصر الكمبيوتر، علىٰ أن يكون باتزان وروية، وتوجيه واعتدال، فتُنمي فيهم كيفية استغلال هـٰذه الأقراص في الخير، كذٰلك الأشغال اليدوية للأبناء والبنات مثل النجارة والخياطة والزخرفة، وأن تُنمي فيهم الهوايات الخيّرة مثل الخط وغير ذٰلك.. وأن تلحقهم بالمراكز الصيفية التي فيها التربية، وفيها التعلم، وفيها التوجيه، وهي -ولله الحمد- متوفرة، وعلىٰ اختلاف المراحل بين ابتدائية ومتوسطة وثانوية، وكذٰلك هناك مراكز لتحفيظ القرآن الكريم، فألحق أبناءك بهـٰذه المراكز التي هي لتحفيظ القرآن الكريم، والتي هي خير ما تدخل أبناءك وتسجلهم فيها، وكذٰلك لا بأس أن تخرج بأهلك وعائلتك إلىٰ الأماكن الخالية من التبرج، ومن معصية الله تبارك وتعالىٰ، والخالية من الموسيقىٰ والأغاني، فتروح عنهم، وتعقد جلسة في تلك الأماكن لهم، فتوجههم وتذكرهم بالله تعالىٰ، وتستغل المناظر لتذكر بعظمة الله -عز وجل-، كما قال تعالىٰ عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هـٰذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ [آل عمران: 191].

والرسول كان يستغل المواقف ليذكّر برحمة الله -عز وجل- وعظمته، ففي سبي هوازن وثقيف جاءت امرأة من السبي تبحث عن ولدها، فوجدت ولدًا، فألزقته وأرضعته، فيستغل النبي هـٰذا الموقف ويقول: «أترون هـٰذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قلنا: (لا والله، وهي تقدر علىٰ أن تطرحه) فقال رسول الله : «لله أرحم بعباده من هـٰذه بولدها» [متفق عليه]، فتنظر إلىٰ الجبل العظيم، وتنظر إلىٰ الأشجار المورقة الجميلة، فتقول لهم: (من خلق هـٰذا؟ الجنة فيها أعظم من هـٰذا!)، وهكذا تذكرهم وتنبههم علىٰ عظمة الله -عز وجل-، ولا بأس أن تخرج بهم من حين وآخر لكي تتعرف علىٰ أحوال إخوانك المسلمين المحتاجين، لا بأس أن تأخذ أبناءك إلىٰ العائلات الفقيرة التي تحتاج إلىٰ العون، إلىٰ اليتامىٰ الذين يحتاجون إلىٰ المساعدة، فتعوّد أبناءك العطف علىٰ المساكين وعلىٰ الفقراء، وتعودهم الإنفاق في سبيل الله، ومساعدة والديهم في قضاء حوائجهم من ملابس وأشياء أخرىٰ مادية، أو عينية، أو غير ذٰلك..

خاتمة:

هـٰذه بعض الخطوات العملية التي لك أن تسلكها حتىٰ تُخرج هـٰذا الجهاز المدمر من البيت، فليس الحل -كما أسلفت- هو أن تخرج الجهاز ثم تنشغل عن أبنائك وزوجتك بالدنيا، ولٰكن مع إخراج هـٰذا الجهاز لابد من البديل، ولابد من التربية الحكيمة، فهـٰؤلاء الأبناء هم رجال الغد، وهم الذين نأمل أن يخرجوا الأمة من نكستها، ومما هي فيه من الأزمات، ولا يكون ذٰلك بترك الحبل علىٰ الغارب، ولا يكون ذٰلك بالتلفاز والفيديو، ولا يكون ذٰلك بالمجلات الخليعة، إنما يكون ذٰلك بالتربية الإسلامية.