المشرف العام الشيخ الدكتور

محمد عبدالكريم الشيخ

تحذير المصلين من خطر القصَّاص والمذكِّرين

تحذير المصلين من خطر القصَّاص والمذكِّرين

 تحذير المصلين من خطر القصَّاص والمذكِّرين

أيها الخطباء والوعاظ والقصاص احذروا الاستدلال بالأحاديث الموضوعة والضعيفة
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يدخل الجنة مع أول الداخلين

 

يتوهم البعض أن كل الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة، وأنه يجوز الاستدلال بها من غير تحرٍ لها، بل هناك طائفة تنكر جرح وتعديل الرواة جملة واحدة.
نسي هؤلاء أوتناسوا أنه لا يحل لأحد أن يروي حديثاً موضوعاً أوضعيفاً ولا يستدل به إلا ليبين أنه موضوع أوضعيف، وإلا فهوداخل في وعيد قوله صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
قال الإمام الدارقطني رحمه الله في مقدمة كتاب "الضعفاء والمتروكين": (توعد الله بالنار من كذب عليه، بعد أمره بالتبليغ عنه، وفي ذلك دليل على أنه إنما أمر أن يبلغ عنه الصحيح دون السقيم، والحق دون الباطل، لا أن يبلغ عنه جميع ما روي، لأنه قال: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع"، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، فمن حدث بجميع ما سمع من الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يميز صحيحها من سقيمها، وحقها من باطلها، باء بالإثم، وخيف عليه أن يدخل في جملة الكاذبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه منهم).

وقال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: (ولا فرق في تحريم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك، وكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح، بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع).هذا بالنسبة لذوي الاختصاص.
أما غيرهم من العامة فعليهم الاقتصار بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقته الأمة بالقبول، كأحاديث الصحيحين وغيرهما من دواوين السنة المعروفة، ما لم يبين أهل العلم المختصون بذلك ضعف بعضها فتترك، وقد قام العلماء قديماً وحديثاً بتوضيح الصحيح من السقيم من الأحاديث، بحيث لا يوجد حديث إلا وقد حكم عليه العلماء بالصحة، أوالضعف، أوالوضع، علم ذلك من علمه، ومن جهله فعليه بسؤال أهل العلم، أوالاكتفاء بدواوين السنة المحققة، إذ السلامة لا يعدلها شيء من تلكم الأحاديث الواهية والآثار الموضوعة التي يحلي بها بعض الخطباء، والوعاظ، والقصاص خطبهـم، وأحاديثهـم، وقصصهـم، لشد قلوب العـوام إليهم، بهدف ذم المـال وجمعه لمن جمعه من حـلال وأنفقه في سبـل الخيـر المختلفة من أصحـاب رسـول الله صلى الله عليه وسلم، من أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يدخل الجنة حبواً!!!
نحو:

1.  ما رواه أحمد2 بسنده وغيره إلى عُمارة بن زاذان عن ثابت بن أنس أن عبد الرحمن بن عوف لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين عثمان كذا هذا، فقال: إن لي حائطين، فاختر أيهما شئت؛ قال: بل دلني على السوق؛ إلى أن قال: فكثر ماله، حتى قدمت له سبع مائة راحلة تحمل البُرَّ والدقيق والطعام، فلما دخلت سُمِع لأهل المدينة رَجَّة، فبلغ عائشة، فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عبد الرحمن لا يدخل الجنة إلا حبواً"، فلما بلغه قال: يا أمَّهْ! إني أشهدك أنها بأحمالها وأحلاسها في سبيل الله.
قال الذهبي في السير: أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الصمد بن حسان عن عمارة، وقال: حديث منكر.

وفي لفظ لأحمد: فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قد رأيت عبد الرحمن يدخل الجنة حبواً"، فقال: إن استطعتُ لأدخلنها قائماً، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله.

2.  وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت الجنة فسمعت خَشَفَة، فقلت: ما هذا؟ قيل: بـلال، إلى أن قـال: فاستبطـأت عبد الرحمن بن عوف، ثم جـاء بعد الإيـاس، فقلت: عبد الرحمن؟ فقال: بأبي وأمي يا رسول الله! ما خلصت إليك حتى ظننت أني لا أنظر إليك أبداً؛ قال: وما ذاك؟ قال: من كثرة مالي أحاسب وأمحص".

3.  أما الأثر الموضوع المختلق فقد حكاه الغزالي في الإحياء عن الحارث المحاسبي: "وقد بلغني أنه لما توفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك! فقال كعب: سبحان الله! وما تخافون على عبد الرحمن، كسب طيباً، وأنفق طيباً، وترك طيباً! فبلغ ذلك أبا ذر، فخرج مغضباً يريد كعباً، فمر بعظم لحي بعير، فأخذه بيده، ثم انطلق يريد كعباً، فقيل لكعب: إن أبا ذر يطلبك، فخرج هارباً حتى دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر، وأقبل أبوذر يقص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان، فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هارباً من أبي ذر، فقال له أبو ذر: هيه يا ابن اليهودية! تزعم أنه لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف".

قال الحافظ ابن الجوزي رحمه الله في "تلبيس إبليس" له بعد أن قال: (فهذا كله كلام الحارث المحاسبي، ذكره أبوحامد وشيده وقواه بحديث ثعلبة… وما ذكره من حديث كعب وأبي ذر فمحال من وضع الجهال، وخفاء صحته عنه ألحقه بالقوم، وقد روي بعض هذا وإن كانت طريقه لا تثبت، وإسناده عن مالك بن عبد الله الزيادي عن أبي ذر أنه جاء يستأذن عثمان فأذن له وبيده عصا، فقال عثمان: يا كعب، إن عبد الرحمن توفي وترك مالاً فما ترى فيه؟ فقال: إن كان يصل فيه حق الله تعالى فلا بأس به؛ فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعباً، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أحب أن لي هذا الجبل ذهباً أنفقه ويتقبل مني، أذر خلفي ست أواقي؛ أنشدك الله يا عثمان أسمعت هذا؟ ثلاث مرات، قال: نعم.
 

قال ابن الجوزي: وهذا حديث لا يثبت، وابن لهيعة مطعون فيه، قال يحيى: لا يحتج بحديثه، والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفي سنة 25هـ، وعبد الرحمن توفي سنة 32هـ، فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين، ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع، ثم كيف تقول الصحابة رضي الله عنهم: إنا نخاف على عبد الرحمن؟ أوليس الإجماع منعقداً على إباحة جمع المال من حله؟ فما وجه الخوف مع الإباحة؟ أويأذن الشرع في شيء ثم يعاقب عليه؟ هذا قلة فهم وفقه.
ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه لم يسبر سير الصحابة، فإنه قد خَلَّف طلحة ثلاثمائة بهار، في كل بهـار ثلاثة قناطير، والبهار الحمل؛ وكان مال الزبير خمسين ألف ألف ومائتي ألف، وخَلَّف ابن مسعود رضي الله عنه تسعين ألفاً، وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلفوها، ولم ينكر أحد منهم على أحد، وأما قوله: "إن عبد الرحمن يحبو حبواً يوم القيامة، فهذا دليل على أنه لا يعرف الحديث، أوكان هذا مناماً وليس في اليقظة، أعوذ بالله من أن يحبو عبد الرحمن في القيامة، أفترى من يسبق إذا حبا عبد الرحمن بن عوف، وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن أهل بدر المغفور لهم، ومن أصحاب الشورى؟).

من أكثر الكتب شيوعاً التي يستمد منها الوعاظ والقصاص والأئمة هذا الصنف من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والآثار المختلقة كتاب إحياء علوم الدين للغزالي سامحه الله، حيث حوى هذا السفر على حوالي ستمائة حديث بين ضعيف وموضوع، وجزى الله الحافظ العراقي خيراً حين تنبه لخطورة ما في هذا الكتاب من الأحاديث المختلفة، فحققه في مؤلف أسماه "المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار"، وهو مطبوع وبعض نسخ الإحياء مذيلة به.

ولهذا قال تلميذ الغزالي أبوبكر بن العربي المالكي: لم أر كتاباً تحت أديم السماء مليء بالكذب على رسول الله مثل كتاب الإحياء، أوكما قال؛ والغزالي نفسه رحمه الله يعترف بأن بضاعته في الحديث بضاعة مزجاة، ولهذا وجب التنبيه للتثبت والتحقق فيما ورد في هذا الكتاب من الأخبار، وأنه لا يحل لأحد أن يستدل بما ورد فيه من أحاديث إلا بعد التأكد من صحتها.

لهذا السبب حذر السلف من القصاص والوعاظ ونهوا عن تمكينهم من المساجد والجلوس إليهم، وعدوا ذلك من البدع المنكرات والحوادث المهلكات.
قال ابن الحاج المالكي في المدخل: (مجلس العلم الذي يُذكر فيه الحلال والحرام واتباع السلف رضي الله عنهم، لا مجالس القصاص فإن ذلك بدعة.
وقد سئل مالك رحمه الله عن الجلوس إلى القصاص، فقال: ما أرى أن يجلس إليهم، وإن القصص لبدعة.
وقال ابن رشد: كراهة القصص معلومة من مذهب مالك.

وروى يحيى بن يحيى أنه قال: خرج معنا فتى من طرابلس إلى المدينة، فكنا لا ننزل منزلاً إلا قص علينا حتى بلغنا المدينة، فكنا نعجب من ذلك، فلما أتينا المدينة إذا هو قد أراد أن يفعل بهم ما كان يفعل بهم، فرأيته وهو قائم يحدثهم، وقد لهَى عنه، والصبيان يحصبونه، ويقولون له: اسكت يا جاهل.
فوقفت متعجباً لما رأيت، فدخلنا على مالك، فكان أول شيء سألناه عنه بعد أن سلمنا عليه ما رأيناه من الفتى، فقال مالك: أصاب الرجال إذا لهَوْا عنه، وأصاب الصبيان إذ أنكروا عليه باطله.
قال يحيى: وسمعت مالكاً يكره القصص، فقيل له: يا أبا عبد الله! فإن تكره هذا، فعلام كان يجتمع من مضى؟ فقال: على الفقه.

وقال ابن أبي زيد في الكتاب "الجامع": وأنكر مالك القصص في المسجد.
وعن الفضل بن مهران قال: قلت ليحيى بن معين: أخ لي يقعد إلى القصاص؛ قال: انْهَهُ؛ قلت: لا يقبل: قال: عظه؛ قلت: لا يقبل؛ قال: اهجره؛ قلت: نعم.
ينبغي للمسؤولين عن المساجد أن لايمكنوا قاصاً ولا واعظاً من غير المعروفين من الحديث إلى الناس، لظن البعض أن كل من علا المنبر أوقام خطيباً فهو عالم، وإن لم يفعلوا فعلى الحاضرين أن يخرجوا ويتركوهم، وهذا أضعف الإيمان.