المشرف العام الشيخ الدكتور

محمد عبدالكريم الشيخ

السعادة والسيادة لأهل العبادة

السعادة والسيادة لأهل العبادة

بحثت البشرية عن مقومات الحياة السعيدة في الممكن المتاح على ظهر الأرض وبعد تجربة طويلة مع كل الخيارات..

من ثروة وسلطة وشهوة وشهرة تقرر لذوي تلك التجارب من البشر بكل الألوان والمعتقدات الدينية والفكرية أن السعادة ليس في هذه الأشياء..

لأن الثروة تستعبدك دون أن تعطيك منها ما يوازي بذلك ومجهودك، فلا تأكل إلا سعة بطنك ولا تنكح إلا طاقة فرجك، ولا تلبس إلا ما يواري بدنك..

ومع ذلك فأنت مكشوف للأمراض وللصوص ولا يصحبك منها بعد موتك ما ينفعك بعده إلا ما استثناه الشرع ولذلك جاء في أقواله (صلى الله عليه وسلم): (( تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميسة تعس عبد القطيفة ))..

أما السلطة فهي تعب بالنهار وخوف بالليل، وما تكاد تغفل ساعة إلاّ ومتآمر أو متمرد أو عدو أو حسود نزع شيئاً من ملكك لذلك هو كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خزي وندامة يوم القيامة إلاّ لمن أخذها بحقها..

أما الشهوة فهي ذل وعار ضعف في البدن وذاهب للهيبة، ومدخل للأمراض، ومطعن للأعداء..

وأما الشهرة فسأل أهلها هل أنتم سعداء يخبرك الزجاج المظلة والنظارات السوداء كيف أن ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب..

بعد هذا كله تقرر عند ذوي الفضل والموفقون بعد رحلة العناء الطويلة في البحث عن السعادة أنها حصرياً على مبادئ الدين الحنيف، وقيمه الفاضلة، وأوامره العادلة، ونواهيه الحكيمة، وقديماً قال الإمام الشافعي:

لست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد

وقد تقررت هذه الحقيقة في ثنايا القرآن الكريم في كثير من الآيات التي تعرف الفرد المسلم بحقيقة الدنيا، وأنها بكل ما فيها مجرد مرحلة للإختبار، ومعبر كل الناس داخله من جهة الولادة وكلهم يخرجون منه من بواب الموت..

لكنهم بعد البلاء ناجي ومكردس في النار؛ فلا يعقل عند ذي صلة بدين الإسلام أن تكون الدنيا هي الهم، وأن يسعى الإنسان في إمتلاكها وهو يعرف أمر قارون أو التجبر على أهلها..

وهو يعرف قصة فرعون أو الإحتيال للبقاء في منصب الوزارة، وهو يعرف نهاية هامان، وكيف أنهم أصبحوا مجرد حروف على صفحات الكتب تشكلهم اللعنات بضمة الكره وفتحة البغض وكسرة التسفل وسكون الشعور نحوهم بأدنى قدر من الشفقة..

قال أحد السلف لابنه بعدما شكى له ضيق ذات اليد: يا بني والله إنا لفي سعادة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف..

وهي السعادة التي توصف بأنها جنة الدنيا ومقرر عندهم من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة..

وهي نفسها السعادة التي هونة على سحرة فرعون قتله إياهم، وهي نفسها التي جابه بها أصحاب موسى طغيان فرعون، وحواري عيسى مكر اليهود، وأصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) كيد المشركين..

وهي عدتنا للمرحلة الحتمية القادمة والمعروفة باسم (الحرب على الإرهاب)، وهي نفسها التي حكى عنها ابن تيمية – رحمه الله تعالى – حين قال: "ماذا يصنع بي أعداء إن قتلوني فقتلي شهادة؛ وإن نفوني فنفي سياحة؛ وإن سجنوني فسجني خلوة؛ جنتي في قلبي فأنى لهم أن يدخلوا جنتي".

يعد من أقوى دعائم الإسلام وأعظم مبادئه وأصدق عقائده عقيدة الولاء والبراء القائمة في أساسها على وضوح الرؤية في مفاصلة أهل الملل الأخرى التي لا تنطلق من الإسلام..

ولا تعترف به مفاصلة ليس فيها منزلة أوسطى ولا مجرد فكرة تقارب وهذه العقيدة هي صمام الأمان الوحيد لبقاء الإسلام بعيداً عن أتون التشوه والذوبان وهذا ما يقلق أعداء الملة من اليهود والنصارى وأهل الإلحاد والمشركين أن يدرك المسلمون المغيبون في لحظة ما أنهم يقاتلون إخوانهم نيابة عن أعداءهم..

وبعد ذلك يحصل الإلتحام ويتوحد الهدف سوف تكون بعدها الدائرة على الأعداء بكل ألوانهم وغياب هذه العقيدة في الوقت الراهن هو سبب في ما نحن فيه من بلاء وشقاء وفرقة واقتتال.

إذا أردنا سعادة حقيقية وشهادة أكيدة يجب أن نفهم الإسلام على حقيقته لا على ما يصوره ويصوغه لنا أعداءنا برجوعنا العاجلة – قبل أن تمضى قوافل أهل الحق بعيدة عنا – لكتاب الله وسنة رسول الله وسيرة السلف وأقوال أهل العلم الصادقين من الذين قضوا نحبهم ومن منهم ينتظر وما بدلوا تبدلاً..

لنعرف كيف يعامل العدو وكيف يعامل الخائن والمنافق حتى نشرد بهم من خلفهم ونرعب بهم أخرين لا نعلمهم الله يعلمهم وتعود للطفل الغرير بسمته، ولعبته..

والمرأة الحرة شرفها وكرامتها وللشاب الأعزل أمانه وللمزارع والصانع وطالب العلم والذمي ولكل أهل السلم السلام بعد أن يصبح السادة هم أهل التقوى والعبادة طلاب الآخرة والشهادة.