شبكة الهداية الإسلامية

أذاعوا به

Wed 2015-2-4 10:19:39
عدد الزيارات: 2476

أذاعوا به

بسم الله، والحمد لله.

وبعد:

فإن مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف مسمياتها من فيس بوك وتويتر وواتساب تضم عددا من المشايخ بل من العلماء اﻷجلاء ممن عرفوا بالعلم والدعوة في السودان وخارجه، فلا ينبغي للصغار من الشباب فيها أن يجاسروا في الوقائع والنوازل بكل ما يقع تحت أيديهم مما يجدونه في وسائط ومجموعات أخرى، ليس لهم من همَّ إلا الدفاع عن جهة بعينها مهما فعلوا أو أساؤوا.

يقول الله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ) والمراد بهم العلماء الربانيون .

ومن مقاصد الشريعة العظيمة الحرصُ على صفاء ونقاء الإسلام دين الرحمة للعالمين، وعدم تشويهه في أذهان البشر، وترك كل ما يؤدي إلى ما ينافي ذلك، ولو كان في أصله مشروعًا، وقد ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل أُناسٍ في أكثر من واقعة، رغم استحقاقهم للقتل وارتكابهم موجبَ العقوبة، لا للشيء إلا لتحقيق ذلك المقصد؛ أي ترك بعض أحكام الشريعة معللا ذلك بـ (حتى لا يتحدث الناس)، واليوم يهمل ذلك المقصد، بل يعمل على تحقيق نقيضه، وتنفير الناس من الإسلام؛ لا بالقيام بأحكامٍ شرعيةٍ كان الأولى تركُها بل بأفعال تحرمها الشريعة ابتداءً؛ فعن ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻤﺰﺓ اﻷﺳﻠﻤﻲ، ﻋﻦ ﺃﺑﻴﻪ قال: إﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭ وآله وﺳﻠﻢ ﺃﻣﺮﻩ ﻋﻠﻰ ﺳﺮﻳﺔٍ، قال: ﻓﺨﺮﺟﺖ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﻘﺎﻝ: "إﻥ ﺃﺧﺬﺗﻢ ﻓﻼﻧًﺎ ﻓﺄﺣﺮﻗﻮﻩ ﺑﺎﻟﻨﺎﺭ"، ﻓﻠﻤﺎ ﻭﻟَُّْﻴﺖ ﻧﺎﺩاﻧﻲ، ﻓﻘﺎﻝ: "ﺇﻥ ﺃﺧﺬﺗﻤﻮﻩ ﻓﺎﻗﺘﻠﻮﻩ، ﻓﺈﻧﻪ ﻻ ﻳﻌﺬﺏ ﺑﺎﻟﻨﺎﺭ، ﺇﻻ ﺭﺏ اﻟﻨﺎﺭ "، رواه أحمد و أبوداود.

والمشتهر من ديننا وشريعتنا أننا لا نُرْهِبُ العدوَّ إلا بما يقبله الله ويأذن به من أحكام قتال العدو المعروفة.

بل يسعنا أحيانا أن لا نحدث بحديث لا يتناسب مع بعض الناس لضعف إيمانهم أو لقلة علمهم.

قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟) قال البخاري: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ

قال الحافظ رحمه الله في شرحه‏:‏

(قوله‏:‏ ‏(‏حدثوا الناس بما يعرفون‏)‏ كذا وقع في رواية أبي ذر، وسقط كله من روايته عن الكشميهني، ولغيره بتقديم المتن، ابتدأ به معلقا فقال‏:‏ وقال علي إلخ ثم عقبه بالإسناد‏.‏ والمراد بقوله‏:‏ ‏"‏بما يعرفون"  أي يفهمون وزاد آدم بن أبي إياس في كتاب العلم له عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره ودعوا ما ينكرون، أي يشتبه عليهم فهمه، وكذا رواه أبو نعيم في المستخرج وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول ابن مسعود: (ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) رواه مسلم، وممن كره التحديث ببعض دون بعض؛ أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن ونحوه عن حذيفة وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنسٍ للحجاج بقصة العرنيين، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي. وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غيرُ مرادٍ، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. والله أعلم) أ.هـ

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله :

قوله في أثر علي رضي الله عنه : "حدِّثوا النَّاس"، أي : كلِّموهم بالمواعظ وغير المواعظ .

وقوله : "بما يعرفون"، أي : بما يمكن أن يعرفوه، وتبلغه عقولُهم؛ حتى لا يفتنوا، ولهذا جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إنك لن تحدث قومًا حديثًا لا تبلغُه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنة " تقدم تخريجه.

ولهذا كان من الحكمة في الدعوة ألا تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه ، بل تدعوهم رويداً رويداً، حتى تستقر عقولهم ، وليس معنى "بما يعرفون"، أي : بما يعرفون من قبل ؛ لأن الذي يعرفونه من قبل يكون التحديث به من تحصيل الحاصل .

وقوله : " أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟! " الاستفهام للإنكار ، أي : أتريدون إذا حدثتم الناس بما لا يعرفون أن يكذب الله ورسوله؟ لأنك إذا قلت: قال الله، وقال رسوله: كذا وكذا، قالوا: هذا كذب، إذا كانت عقولهم لا تبلغه، وهم لا يكذِّبون الله ورسوله، ولكن يكذبونك، بحديث تنسبه إلى الله ورسوله، فيكونون مكذِّبين لله ورسوله؛ لا مباشرة، ولكن بواسطة الناقل.