شبكة الهداية الإسلامية

You are here

حكم الإنكار على الولاة والحكام علانية

Tue 2015-12-29 11:17:06
عدد الزيارات: 2047

السؤال : 53

السلام عليكم الشيخ الفاضل .. سمعنا بعض الدعاة يصف من ينكر على الحكام والمسؤولين بعض تصرفاتهم الخاطئة علانية في خطبة الجمعة بالخوارج ويقول ليس من هدي السلف النصيحة للحاكم او الانكار عليه جهرا ومن خالف ذلك فهو مبتدع فهل هذا القول صواب؟ جزاكم الله خيرا وبارك فيكم .

الجواب :

الحمد لله وبعد فعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
وبخصوص سؤالك فما ذكره المنكر غير صحيح، والخوارج قوم يكفرون بالذنوب التي هي دون الكفر عند أهل السنة، وربما كفروا بما ليس ذنباً، ومع ذلك يستحلون دماء المسلمين، فهذا أصل مذهبهم، ومن سلم منه لم يكن منهم. وأما القول بأن الإنكار على الحاكم ليس من هدي السلف فدعوى تكذبها أخبارهم.
وعموم النصوص تدل على مشروعية إنكار المنكر على السلطان وغيره علانية، وقد جاءت آثار عن السلف في الإنكار على الأئمة جهراً، بل بعض ذلك وقع في زمن الراشدين فأنكر رابع هذه الأمة بعد نبيها على ثالثها وهو إمام المسلمين المشهود له بالجنة، وخالفه لما رأى في ذلك المصلحة، فقد نهى عثمان رضي الله عنه عن المتعة في الحج، فأنكر عليه علي رضي الله عنه ذلك، كما في الصحيحين عن سعيد بن المسيب أنه قال: "اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال علي ماتريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه! فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك! فلما أن رأى علي ذلك أهل بهما جميعا"، وهذا لفظ مسلم، وقد ذكروا في ترجمة سعيد أنه أصلح بين عثمان وعلي رضي الله عنهما.. فهذا وقع في عصر الخلفاء مع أن عثمان رضي الله عنه كان متأولاً كما في الرواية الأخرى عند مسلم من طريق عبدالله ابن شقيق قال: "كان عثمان ينهى عن المتعة وكان علي يأمر بها فقال عثمان لعلي كلمة ثم قال علي لقد علمت "أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أجل ولكنا كنا خائفين!
وأما الإنكار في عصور السلف بعدها على الأئمة  فكثير مشهور.
وأما خبر عياض ابن غنم عند أحمد وغيره "من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلوا به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه"، ففي ثبوته خلاف وإن كان أصله بغير موضع الشاهد في مسلم، وعلى تقدير ثبوته فهو في شأن النصيحة، ومقام النصح غير مقام الإنكار، ومقصود الناصح غير مقصود المنكر، ويقبح بالناصح مطلقاً أن يقصد إعلان النصح، وقد قيل:
تعمدني بنصحك في انفرادي
ولا تلق النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع
من التوبيخ لا أرضى استماعه
 
 فإن وقع ذلك في حق ذي السلطان -وذو السلطان أعم من الإمام والأمير وعاملهما- كان ذلك أقبح.
لكن لو قيل الإنكار على الإمام جهرا في المحافل ليس بالمسلك السديد غالباً لكان الكلام حسناً، وعلى المصلح أن يراعي المصلحة، ويحرص على ما يحققها بالطرق المشروعة، بعيداً عن إيغار صدور العامة والخاصة ما أمكن، وإذا كان العامي لا يرضى في الغالب بالإنكار عليه علنا وقد يدفعه ذلك إلى الانتصار لنفسه إن كانت له قدرة، فكيف بغيره، وحسب المصلح في كثير من الأحيان تحذير العامة من إتيان المنكر، وبيان حكمه لهم، وتنفيرهم عن مقارفة شيئاً منها عاماً أو خاصاً، فذلك أنفع لهم، والله أعلم.