شبكة الهداية الإسلامية

المبدعون في أتون الألم

Tue 2016-1-5 10:33:31
عدد الزيارات: 1795

المبدعون في أتون الألم

 

   اقتضت السنة الإلهية في المجتمعات البشرية، أن يظل القسم الكبير منهم بعيدون عن كثيرمن المعاني في الأنفس والأفاق، وعاطلون عن كم هائل من الكمالات الإنسانية، لذلك نجد الحق  سبحانه يقرر هذه الحقيقة في غير ما آية من كتابه مثال ذلك قوله تعالى:(وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)..، وقوله تعالى:(وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)..، وقوله تعالى:( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا ولهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)، والآيات في هذا الباب كثيرة، أما القلة من البشر فهم رياحين الإنسانية الذين يملؤونها عطراً وشذاً ويفيضون عليها من أرواحهم حناناً ورحمة، اولئك هم الرواد الذين وصفهم الأستاذ سيد قطب رحمه الله بأنهم قليلون في تاريخ البشرية بل نادرون، ولكن منهم الكفاية، فالقوة المشرفة على هذا الكون هي التي تصوغهم و تبعث بهم في الوقت المقدر المطلوب، هذا وقد أثبت التاريخ أن الذين يقودون الأمم والشعوب عبر المدى الزماني في حياة الإنسانية دائماً هم ثلة منتخبة وقلة مصطفاة، سيما الذين يسوقون البشرية إلى ربها، ذلك أن مبدأ الاصطفاء مبدأ قرآني أصيل، يقول تعالى:(اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)..، ويقول أيضاً:(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)..، وقال تعالى ذكره سبحانه:(وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)..، وقال سبحانه على لسان الملائكة لمريم عليها السلام:(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)..،غير أن ذلك الرهط الذي اصطفاه الحق سبحانه عرضة للابتلاء والتمحيص والصقل يقول سبحانه:(وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ)ويقول أيضاً:(وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، إذ انه لابد لمن اصطفاه الحق سبحانه ان يناله نصيبه التصفية والصهر في أتون الألم نصيبه  من ذلك مدركه لا محالة حتى يكون في مستوى ذلك الاختيار الرباني والاجتباء الإلهي:(وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)، بيد أن هذا القدر الذي رتب لأهل الحق ليس من نصيبهم وحدهم، ذلك أن لكل مبدع حظه من ذلك، وكأن الألم بمثابة العملية الجراحية الروحية التي تخرج من الإنسان أجمل ما فيه.     

    إن ارتباط الإبداع بالألم والمرض أمر شائع وكثير ما نجد تلك العبارة تجري على ألسنة الناس (يولد الإبداع من رحم المعاناة) ، والنبوغ سر مودع في الروح ، ولما كانت أرواح الأنبياء عليهم السلام أعظم أرواح البشر كان حظهم وافراً من الألم والمعاناة ، لذلك كان النبي صلى الله علية وسلم يحمى حمة أربعين رجلاً ويتصفد جبينه عرقاً في الليلة الشاتئة من شدة وطأت نزول الوحي ، بيد أنهم يرشفون كأس الألم في سعادة ذلك لنشوة أرواحهم بالمعية الخاصة والقرب الحاني ، وإن قوى الروح لا تتجلى في البدن إلا بمقدار ما يتحمله يقول سبحانه (فلما بلغ أشده واستوى أتيناه حكماً وعلما) ، وهذا الذي حمل العلامة إبن القيم أن يقول  " إن الله يخلق الأرواح ويخلق لها القوالب التي تناسبها " وأكرم به من تناسب تبدَى في تلك المناسبة التي قال عنها ربنا سبحانه (ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى)

 إن المؤمن يتمتع بقدر من الذكاء والفطنة وإلا ما صار مؤمناً فهو نابغة ويبتلى بقدر عظمة روحه والإيمان المودع فيه ، ولما كان الصحابة أكمل أحوال من غيرهم كانوا يصمدون  لأنوار التجلي فلا تسمع إلا أزيزاً كأزيز المرجل ينبعث من صدورهم ، ثم جاء من بعدهم أضعف أحوالاً إذا قريء عليهم (إذا نقر في الناقور) خروا مغشياً عليهم ، وهذا مرده كما يقول العلامة إبن القيم  إلى قوة الوارد وضعف المحل

 إن المعضلة الكبرى التي يعيشها النوابغ في هذا العصر أن أجسادهم لم تتروحن بمعنى أن يدخل الجسد في روحه فيعيش بأحكامها وليس بالغريزة المركبة فيه ، ولكن لابد من أن تقع  المعاناة على المبدع سيد قطب كان يعاني من آلام في صدره والمعارف محلها الصدر ، ومات الشاعر التجاني يوسف بشير بداء الصدر لأن شعره يأخذ بعداً فلسفياً ، ومات الشاعر أبو القاسم الشابي بتضخم القلب لأن شعره يتميز بتدفق وجداني ثائر ، كنت و والدي نتأمل سوياً بيت الشاعر إدريس جماع

أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا

فقال لي الوالد مثل هذا لا يصدر عن شخص عادي إنه جنون الشعر قلت لا غرو أن تنفلت روح الشاعر إدريس جماع من مدارات الحياة ، كذلك الدكتور عبد الله الطيب مات بداء في رأسه لكثرة ما يحمل من العلوم ، زرت أستاذي الدكتور على الريح جلال الدين فوجدته مصاباً بكهرباء في الدماغ ذلك للنشاط الذهني الزائد سبب له نوعاً من الارتجاف فقلت له مسرياً هذا مرض الشخص المبدع فقال لي : ليت لي مرض الشخص العادي ، وهذا ليس قاصراً على مبدعي  الشرق بل قد نال مبدعو الغرب منه الكثير كتب فيليب ستاديوم في كتابه الذائع الصيت (الإبداع والمرض) إن أهم الخبرات المرتبطة بالإبداع هي خبرة الألم ، الشاعر المسرحي موليير كان مصاباً بالسل وكذلك الشاعر نوفا ليس ومن أصحاب الآلام والأمراض كذلك الكاتب المشهور تشارلز ديكنز صاحب الرواية المشهورة "قصة مدينتين" ومن العلماء إسحق نيوتن ولو ديج بولت زمان ومن الرسامين فينسنت فان جوخ ومن السياسيين ونستون تشرشل وبنيامين فرانكلين وتيودور روزفلت الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية

إن الإبداع إن لم يصحبه الإيمان ينهي حياة صاحبه بمأساة قد تكون رهيبة،  الشاعرة اللبنانية جمانة حداد في كتابها "سيجيئ الموت وستكون له عيناك" أوردت مائة وخمسين شاعراً وأديباً من جنسيات متعددة و من مختلف العصور أقدموا على الانتحار.

 إن صمام الأمان للمبدع حتى لا ينزلق من على القمة ويقع في السفح، أو ربما أبعد من السفح حين يهوي إلى هوة سحيقة، هو قلبه الموصول بالله فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن وقوى الروح عندما تجتاح الإنسان بريصانا رياحها العاتية لا يستطيع أ يلطف من حدتها إلا بارئها، وهو كذلك التوازن الذي يحكي الاعتدال الداخلي بمعنى أن يكون المبدع في سلام روح مع نفسه يحققه الرضى بتفاعل كيانه مع ذاته ليولد الإبداع من رحم مشترك اجتمعت فيه كل قوى المبدع، وتبقى الوصفة الروحية التي تبريء آلام المبدع وتضمد جراحه، تلك الخلوة الروحية التي هي بمثابة المشفى الإبداعي تستجم فيها أرواح المبدعين ويقضون فيها فترة النقاهة، ثم يدخلون من بعد إلى غرفة الفكر لتعيد صياغتهم وتجدد فيهم روح الإبداع، إن الدواء الذي يتناوله المبدع ليذهب عنه الألم دائماً ما يصرف من صيدلية الإنسانية وهو تهيئة الظروف المناسبة للعمل الإبداعي والحصانة الاجتماعية من الألم مع التحفيز والشعور بالتقدير.