شبكة الهداية الإسلامية

إيران للشيعة، فمن يحمي أهل السنة؟

Wed 2016-8-17 17:11:02
عدد الزيارات: 628

إيران للشيعة، فمن يحمي أهل السنة؟

تبدو جمهورية الولي الفقيه وكأنها تريد إظهار نفسها كحامية لشيعة العالم. الجميع يذكر العاصفة التي أثارتها إثر إعدام السعودية لمواطنها النمر، وهو ما وصل حد الاعتداء على المقار الدبلوماسية السعودية في إيران وما تسبب في توتر علاقات طهران بالرياض وبغيرها من العواصم العربية.
الغضب نفسه تظهره إيران إبان محاكمة أي فرد ينتمي للطائفة الشيعية في البحرين أو الكويت حتى ولو كان ذلك لأسباب جنائية، وتتنوع سلوكياتها إزاء كل حادثة بين التدخل السافر والتصريحات التهديدية الغاضبة التي يتفوه بها قادتها من قبيل التحذير من الضم الوشيك لهذه الدولة الخليجية أو تلك. لكن ملالي إيران لا يتحدثون فقط باسم شيعة العرب والخليج، بل يسمحون لأنفسهم بانتقاد الدول الافريقية التي «تسيء» معاملة الشيعة حتى وإن كان أبناء تلك الطائفة متورطين بالفعل في أعمال تهدد أمن تلك البلاد كما حدث في نيجيريا مؤخراً.
أصبحت الأقلية الشيعية، بعامل الظهير الفارسي، طائفة مدللة يحسب لها ألف حساب وتستطيع أن تصل في المطالبة بحقوقها حدوداً لم تصلها أقلية أخرى في العالم العربي والافريقي، بل حتى في الدول الأوروبية.
والحديث عن التعامل مع الشيعة أوروبياً قد يحتاج إلى مقال خاص، فالاحترام الذي تجده الحسينيات ومراكز التشيع لا يقارن بالمعاملة التي تخضع لها المساجد والمراكز الثقافية السنية، فالأخيرة معرضة على الدوام للخضوع للمراقبة ويجتهد أئمتها في النأي بأنفسهم عن أي موضوع يمكن أن يجلب عليهم الاتهامات بالتشدد ودعم الإرهاب وهي المفاهيم التي تزداد غموضاً والتباساً يوماً بعد يوم بشكل يجعلها أداة للتضييق على عموم المسلمين من السنة، أما على الطرف الشيعي المقابل فإن التعامل مختلف لدرجة أن بعض الدوائر الرسمية أصبحت لا تتحرج من أن تسأل المسلمين عن نوع طائفتهم.
أما أهل السنة الذين يتجرأ عليهم القريب والبعيد ويستضعفون في كل مكان فهم يمثلون الأغلبية الكاسحة من المسلمين لكنهم يعانون، على الأقل في الدول الأوروبية، من مشكلتين: الأولى هي التحريض ضدهم بواسطة العنصريين والمتطرفين الأوروبيين وهو تحريض تشارك فيه للأسف بعض الدول السنية التي تظل تبالغ في التحذير من الجماعات الإسلامية التي قد تستفيد من الحرية من أجل التمكن والانقضاض على أوروبا وهو الطرح الذي يلاقي قبولاً عند الشعبويين الأوروبيين الذين سيضعون، في مكر، الجماعات الإسلامية المحرضة على العنف والجمعيات الإسلامية الخيرية في سلة واحدة.
المشكلة الثانية هي أن أولئك المسلمين، برغم كثرتهم العددية، متفرقون ومتوزعون وبقدر ما تكبر التحديات يكبر عندهم الاختلاف ويبدو أكثرهم وكأنهم يبحث عن نقطة خلاف، مهما بدت صغيرة، من أجل النأي بنفسه عن المجموع ومن أجل الانفراد والبحث عن جمعية مستقلة أو مسجد آخر وهو ما يجعلهم كما وصف الحديث الشريف «غثاء» يسهل للجميع هضم حقوقهم واستغلال صراعاتهم البينية من أجل تفريق كلمتهم والانفراد بهم.
إن حس الانتماء مفقود عند أهل السنة، بل كان الحديث عنه حتى وقت قريب يدخل عند أغلب مثقفيهم في باب الأحاديث الطائفية المفرقة وهو الأمر الذي استفادت منه إيران دون أن يقاطعها أحد، ففي سوريا وحينما حوّل فريق الأسد الأزمة بينه وبين المعارضة إلى صراع طائفي غذت ذلك إيران ودعت لتنادي الشيعة من كل مكان لنصرة صاحبهم وتفويت فرصة الحكم على السنة الذين يشكلون أغلبية البلاد. أما دول العالم السنية فقد كان موقف أغلبها هو التخاذل وكان كل ما استطاعت تقديمه هو المؤازرة الإعلامية بنقل وقائع القتل والتنكيل. الصورة ذاتها متكررة في العراق الذي بلغ الحقد الطائفي فيه درجات متقدمة ولم يعد غلاة الميليشيات يخفون مشاعرهم، بل أصبحوا وكأنهم يتنافسون في التصريح بعبارات العنصرية واستباحة الدماء وهي التصريحات التي استمع الجميع إليها والتي انتقدها، لخلوها من الإنسانية.
كل هذا وغيره كثير، داخل وخارج حدود العالم العربي، يدور تحت بصر العالم السني الذي لا يستطيع الانتصار لأخوانه في العراق وسوريا ولبنان وميانمار، بل لا يستطيع حتى شجب ما يحدث للسنة داخل إيران.
يذهب البعض إلى أن النظام الإيراني إنما ينصر أهله بدوافع سياسية وليس بسبب عقدي وأنه إنما تقوّى في هذا الاتجاه بعد تحسن علاقته مع الدول الغربية التي أصبحت لا تميل لإغضاب دولة الملالي أو الاقتراب مما تعده مناطق لنفوذها.
يمكننا أن نتفق مع الجانب الأول من هذا الطرح، فمن الواضح أن إيران تتخذ من موضوع التشيع حجة أو حيلة للتدخل في شؤون غيرها وهذا يظهر بشكل واضح في منطقة الخليج ولكن أيضاً في عدة مناطق في افريقيا وآسيا، حيث استطاعت أن تعمل بجد ولسنوات مستغلة جهل بعض المسلمين بأصول الدين الإسلامي ومحبتهم الفطرية لآل البيت، رضوان الله عليهم، من أجل تشييعهم وربطهم بطهران ولاء وقيادة وهو ما جعلهم في حكم العملاء الذين يقومون بأدوار مختلفة تجاه الإضرار بغيرهم من أهل السنة أو أي أدوار أخرى قد تستدعيها الحاجة.
المثال الأبرز لهذا هو أفغانستان، ففي الوقت الذي انشغلت فيه الدول السنية المتحالفة مع الولايات المتحدة بالقضاء على سلطة طالبان كانت إيران تستثمر ببطء في شراء عقارات وأراض ومرافق سياحية كالفنادق المهمة وتعهد بإدارتها والعمل فيها لأبناء الشيعة الذين ستدربهم في مجال السياحة والفندقة وفي مجالات إدارية أخرى تفتقر إليها البلاد ليسيطروا على سوق العمل لاحقاً.
وفي حين تشتعل الحرب بين بقايا طالبان والتحالف الغربي تعمد إيران إلى بناء مدن كاملة ومتطورة للطائفة الإسماعيلية القريبة منها، كما تستغل وسم السنة بالإرهاب لدعم سياسيين شيعة من الأفغان في تقلد وظائف مهمة ووزارات سيادية بعد استبعاد السنة بتهمة التقارب مع طالبان، هذا غير المكتسبات التي حصل عليها رجالها كأعضاء في البرلمان وكل ذلك بدعم مباشر من النصير الإيراني الذي يدعم تدريبهم وحملاتهم الانتخابية ويوفر لهم الحماية والتمويل.
لقد استطاعت إيران خلال سنوات الغفلة السنية من أن ترعى مؤسسات تعليمية كبيرة في كل مناطق أفغانستان وهي مؤسسات لكل المستويات العلمية ومربوطة بشكل مباشر بالنظام في طهران، كما أنها استطاعت استغلال حوجة الناس الماسة لتوزيع مساعدات ظاهرها إنساني وحقيقتها تشييع وتشويه لعقيدة أهل السنة. هذا طبعاً غير الأدوار المسمومة للإذاعات والصحف والقنوات الفضائية.
هذا هو مجرد مثال لا يتسع المقام لذكر تفاصيل أكثر عنه ولا لضرب أمثلة أخرى، وما أكثرها!
أما الجانب المتعلق بكون هذا الإتجاه جديداً فغير دقيق، ويمكننا أن نذكّر هنا أن إيران، بل الخميني نفسه، قد تدخل بقوة في العام 1978، حين كانت الثورة ما تزال نضرة، من أجل الضغط على باكستان لوقف إعدام رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو، والد السياسية الشهيرة بناظير بوتو، الذي كان قد صدر حكم بالإعدام ضده.
كان ذو الفقار ينتمي لأسرة شيعية، ولكنه كان علمانياً متطرفاً بشكل يجعلنا نشكك بأن العقيدة المشتركة كانت السبب في هذه النصرة، كما أن الرجل زاد على ذلك بتبنيه المشروعات الغربية وتحوله إلى جزء من أدواتها مما جعله يبدو بالنسبة لكثير من الباكستانيين كعميل للغرب.
سياسة إيران كانت على الدوام غير واضحة وغير منطقية، ففي الوقت الذي كان يجب أن تقترب فيه من باكستان التي كانت تبدأ حينها مشاريع لأسلمة الدولة والقوانين، قامت بتوتير هذه العلاقة بسبب رجل يريد بناء دولة تتحقق فيها المصالح الغربية.
الذي حدث آنذاك هو أن طهران لم تستطع منع تنفيذ الإعدام وهو ما جعلها تخسر حليفاً مهماً في الداخل الباكستاني، لكن ذلك جعلها تعمل لخلق حلفاء آخرين بحيث لا تخرج الأمور من تحت سيطرتها مرة أخرى. الآن، وبعد قرابة الأربعين عاماً من هذه القصة، نقول أن الأمر لو تكرر لترددت باكستان كثيراً قبل أن تغضب إيران التي يتوزع أنصارها في منافذ حساسة على طول وعرض مرافق الدولة.
لقد اندهش كثيرون من الموقف الباكستاني الذي أعلن رفض المشاركة في «عاصفة الحزم» وهذه الدهشة وحدها يمكنها أن توضح إلى أي حد نحن بعيدون عن فهم الواقع، فالذي حدث هو أن القيادة الباكستانية رأت أن في هذه المشاركة مخاطرة بالأمن القومي وذلك بسبب الأزمات التي يستطيع أنصار إيران خلقها في الداخل، وهو المشهد الذي يمكن رؤيته بشكل أوضح في الحالة اللبنانية.
إلا أننا لسنا هنا بصدد انتقاد باكستان أو لبنان أو غيرها من الدول التي سمحت للسرطان أن يتمدد داخلها، بل لنؤكد أن اللوم، كل اللوم، إنما يقع على الدول السنية التي تساهم بلا مبالاتها ونظراتها الضيقة في تسهيل المهمة على جمهورية الولي الفقيه التي تبدو كذئب يستفرد كل يوم بشاة قاصية جديدة. الواقع أنه في الوقت الذي تخطط فيه طهران لنشر التشيع وحماية المتشيعين في أكثر من مكان حول العالم بمن فيهم أولئك الذين لا يؤمنون بشكل كامل بعقيدتها المتطرفة أو وليها الفقيه، في ذات الوقت تتسابق الدول السنية في الإضرار ببعضها وتنخرط في مؤامرات بينية مهلكة تضيع فيها الكثير من الوقت والجهد والمال.
لقد حاولت تركيا، كدولة سنية ذات ثقل، أن تقترب من العالم الإسلامي وفي القلب منه المحيط العربي وأن تساهم في مشروع لتوحيد الجهود مع دول شاركتها لقرون التاريخ والعقيدة، لكن هذه الدول قابلت هذا الاقتراب بتشكك، واعتبرت معظمها تركيا دولة عدوة تريد فرض نفوذها العثماني من جديد وتوالت المؤامرات على الأخيرة بشكل أجبرها على إعادة ترتيب أولوياتها وعلى الوصول إلى قناعة مفادها أن التعاون والتفاهم مع روسيا وإيران، رغم الاختلافات، أسهل بكثير من التفاهم والشراكة مع عرب تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى.

المصدر: القدس العربي