شبكة الهداية الإسلامية

راجل ود مُقْنَعَة!

Tue 2017-7-25 22:14:40
عدد الزيارات: 677

راجل ود مُقْنَعَة!

في ثقافتنا السودانية الإشادة بمُقْنَع الكاشفات، وفي قصيدة رقية بت مسيمس الشاعرة حكامة الزبير ود رحمة في ود حبوبة المشهورة (الواعي ما بوصو) ترددت: يا مُقْنَع وليَّاتو

ومقنع وليّاته هذه ثقافة سودانية أصيلة تجدها في قول غيرها، فمن المشهور أيضاً أنها قيلت كذلك في شيخ ساردية أهلنا الشقالوة قرب شندي: الشيخ إدريس سليمان فضل الله، لما رفض أن تضرب المرأة التي لم تستطع دفع الطُّلبة وهي الضريبة التي فرضها الإنجليز على الجميع. ﻓﺮﻓﺾ ﺷﻴﺦ إﺩﺭﻳﺲ أﻥ ﺗﺠﻠﺪ اﻣﺮأﺓ ﺗﺤﺖ مشيخته فاستُدعي إلى بربر مركز المديرية إذ ذاك وسوئل فآثر أن يجلد ﻫﻮ مائة ﺟﻠﺪﺓ، ﻭﻻ ﺗﻨﻜﺸﻒ ﺍﻣﺮأﺓ ﻭﺍﺣﺪﺓ من جماعته!

ويقال إنهم أرادوا أن يجعلوه عبرة بجلده وهو شيخ كبير ليظهر الجزع ويُستذل فيرتدع غيره، لكنه ركز عكازه ووقف وأخذ الأسواط لا يتململ ولا تطرف له عين، فصار عند الناس قدوة وصار كثير من الشجعان يرفض أداء الطُّلبة وإن كان غنياً لئلا يقال فرَّ من السوط! ويقال إن ذلك كان أول أمر الجلد الشهير بديار جعل في الأعراس، وأقولها تعريفاً لا تحسينا لقبيح.

والمقصود أن الشيخ إدريس تجلد للجلد فاستقبلته عمته أو بعض قراباته لمّا آب: بأب آمنة حوبتك جات.. يامقنع الكاشفات.

وفي الأبيات المتداولة خلط وتداخل مع أبيات بت مسيمس ساقت إليها صنعة الغناء التي تراعي الطرب لا التحقيق.

وقد قيلت الكلمة نفسها في غير مناسبة أخرى يتناقلها الناس.

ومن الدارج عند كثير من أهلنا قولهم عند التحدي وإرادة كسر المخاطب: لو كنت راجل ود مقنعة فافعل كيت، أو الأمر الفلاني يعوز له (بيعوزلو) راجل ود مقنعة!

والقناع والمِقنعة عند العرب: الغطاء الذي تستر به المرأة رأسها ومحاسنها، هكذا قال الأزهري في تهذيب اللغة، ونص عليه أيضاً الزَّبِيدي في تاج العروس. يريدون بمحاسنها وجهها ونحرها، وكانت المرأة العربية تسدل القناع فتغطي وجهها، ويسمى إرخاء القناع على الوجه غدفاً، ومنه كلمة عنترة في معلقته، أعني قولَه لعبلة:

إنْ تُغدفي دوني القِناعَ فإنّني          طَبٌ بأَخذِ الفَارسِ المَستَلئِمِ

قال الشيباني في شرح المعلقات: "الإغداف: إرخاء القناع على الوجه، .. تغدفي: ترسلي وتحتجبي مني. يقال فلان مغدف: إذا غطّى وجهه". وكأن عنترة يريد ببيته التعجيب أو الإنكار: أيعصمك من ناظري أو أخذهما إغداف القناع! وأنا الخبير بأخذ الفارس الشديد فلا تعصمه من أخذتي لأمته الحديدية!

والقناع كما يرخى ويغدف فإنه يحسر ويرمى وكذلك يفعلن عمداً ابتغاء الفتنة! على ما قال الجاهلي ابن عَلَس في قصيدته: أرحلت من سلمى بغير متاع! وفيها: (قامت لتفتنه بغير قناع)!

ولو كان الشنفرى إسلامياً لترحمت عليه إذ يقول في أُمِّ عمرو:

لَقَد أَعجَبَتني لا سَقوطاً قِناعُها       إِذا ما مَشَت وَلا بِذاتِ تَلَفُّتِ

قلتُ ومن استعمالهم التقنيع لما يشمل تغطية الوجه تسميتهم محمد بن عميرة بن أبي شِمر: (المقَنَّع) كمُعَظّم بالتشديد، ولا يكاد يعرف إلاّ بالمقَنَّع الكِنْدِي، قالوا كان يغطي وجهه قيل كان ذلك حيطة حتى لا يعرف لكثرة أعدائه، وقيل خشية العين إذ كان لجماله وبهائه إذا أبدى وجهه أصيب. وثمة شاعر آخر يقال له مُقْنِع على زنة محسِن، وهو الذي يقول فيه جرير:

سيَعْلَمُ ما يُغْنِي حُكَيْمٌ ومُقْنِعٌ        إذا الحَرْبُ لم يَرْجِعْ بصُلْحٍ سَفِيرُهَا

والباب كله واحد.

وأياً ما كان فإن المُقْنَعَة في ثقافتنا السودانية ليست بعيدة عن هذا الاستعمال، فالمقنعة تغطي رأسها بالثوب وتسدل منه على وجهها (تتبلَّم)، وهذا الأمر كان أصيلاً في حرائر نساء السودان المسلمات على اختلاف أعراقهنّ.

خذ مثلاً على حال نساء السودان الشمالي ما ذكره بوركهارت في رحلته ببلاد النوبة والسودان، في معرض كلامٍ له عن فضل النوبيات على المصريات –ولاشك أن تعميمه الكلام عن المصريات جَوْرٌ عن جَادَّةِ الإنصاف وهي آفة تتكرر عنده أعني تعميم الملاحظة الجزئية فيخرج بها إلى أحكامٍ جائرةٍ كُليَّة- يقول: "كانت المصريات منهن تقتحمن فناء الدار في جرأة وتسفرن عن وجوههن، وهو مسلك يفهم منه هنا أنهن يعرضن أنفسهن، أما النوبيات –وكثيرات منهن يقمن مع أسرهن في إسنا- فكن يقفن بعتبة البيت، متأدبات لا يتجاوزنها بحال من الأحوال، ويأخذن ثمن ما بعن من لبن وهن مقنعات"، ولاحظ استعمال مقنعة مقابل سافرة.

ولئن كان هذا حال أهلنا النوبة في الشمال فإليك شاهد من الطرف الآخر للبلاد يقول رودلف كارل فون سلاتين المعروف بسلاطين باشا في معرض قصة له مع امرأة من دارفور فرّق بينها وبين زوجها، فاقتحمت عليهم مجلسهم غاضبة، غلب غضبها على علقها! يقول: "ولم أتمالك من النظر والتأمل في هذه المرأة الغريبة! فقد كانت ضخمة قوية عنيدة، وكانت من الغضب بحيث لم تراع أدب اللياقة الذي تراعيه الشرقيات في مخاطبة الرجال؛ فقد انفتل برقعها لشدة هياجها، وبدى رأسها مغطى بمنديل حريري عديد الألوان، وقع بعضه على كتفيها"، وللقصة بقية والشاهد أنها كانت مبرقعة لكن خلقها كان غريباً مجافياً لأخلاق نساء البلد الحييات! وبين أقصى الشمال الشرقي والجنوب الغربي لحدود الدولة المسلمة مرابع حَكّامة الزبير، وبلاد ود حبوبة، وشيخ ساردية وغيرهم من مقنعي الكاشفات الساترين ولياتهن!

وفي الرسم أدناه يصور رسام الإنجليز جلاء المجاهدين عن طوكر قبل دخول جحافلهم الغازية فتأمل كيف صور النساء وهي صورة تحكي الحال ومصدرها الدورية التصويرية (The Graphic) عدد الخامس من أبريل سنة 1884م، مع ملاحظة أن جل من كان معه في تلك الأصقاع كانوا مجذوبية، مفتيهم ومربيهم هو شيخ الأمير عثمان دقنة: الطاهر بن الطيب بن قمر الدين بن حمدالمجذوب، ولعل الصورة تصور الحال بعيد وفاته وقام في القوم من بعده ابنه محمد المعروف بالشيخ الفقيه الشاعر. وملاحظة أخرى يجب أن تعلم وهي أن الرسامين كانوا يصحبون الجحافل ولهذا جاءت تصويراتهم لبعض الشخصيات مقاربة لحقيقتها وصورها الضوئية التي أخذت بعد.

وههنا إبراز للمقصود:

ولعل من بقايا ذلك ما سجله صحفي دار العودة قديماً من ملاحظة في (رحلات الوطن العربي) حيث يقول: "في أم درمان ترى العِمَّة الكبيرة والجلباب الأبيض الفضفاض، وبالكاد ترى الزي الوافد إلاّ عند أولئك العابرين في أرض البلد، أو الذين قضت عليهم حياتهم بتغيير الزي الوطني.. وحتى الطالبات لا يرون هنا إلاّ بالزي الوطني.. الثوب الذي يلتف فيه العود الأبنوسي، والذي يمتد إلى الرأس... ولا تستطيع أن ترى بين الفتيات الطالبات في أم درمان - إلاّ فيما ندر- من تخرج عن هذه القاعدة، وإذا فعل البعض فإنهن يبقين على الرأس تلك الطرحة البيضاء"، ولعل ذلك قبل أن يعمل الاحتلال عمله!

وختاماً دخل التصوير الفوتوغرافي بلادنا مع دخول المحتل المسمى زوراً بالمستعمر والذي غير في الأفكار والعادات واللباس فأدخل الطربوش والبنطال على الرجال، ثم نزع الطربوش!

وفي الصورة أدناه استقبال حافل للسردار من قبل أهلنا برفاعة، والصورة تشير إلى السمت العام إذ ذاك وبدايات دخول الإفرنجي:

ولله در محمدالمهدي بن الشيخ مجذوب النقر حيث يقول:

خَلِّ الحديثَ عن الرُّمّان والتينِ      وشوكة عند نصران وسكين!

واحفظ عمامتك البيضاء صافيةً     من خبث علج بزِيِّ الترك مفتون!

وكما أدخل المحتل على الرجال -والنفوس أبداً مولعة بالتشبه بالغالب كما يقول ابن خلدون- فقد أدخل على النساء أو في الحقيقة نزع عنهن أموراً أخرى! ولهذا لم تعد للصور الفتوغرافية بعد الاحتلال كبير معنى ولاسيما بعد انقضاء القرن التاسع عشر، غير أن الناظر فيها يجد بقايا ظاهرة من تمسك الفاضلات من تلك الطبقة بعادات الحرائر المتقنعات، ولئن كانت في البلاد مظاهر أخرى إذ كان فيها من يمشين وبالكاد يسترن القبل والدبر! وسط قوم يطوفون عراة –وقد حرص المحتل على صنع بطاقات بريدية تصورهن كذلك وكأنهن نساء السودان- غير أنه لا يخفى على من عرف الناس أن تلك أعراق لم يهذبها الإسلام إلاّ بأَخَرَة، ولم تخالطها الحضارة إذ ذاك.. وبين العراة والمقنعات كانت تجول أرسالٌ من الإماء والحرائر المتأثرات بسطوة الاحتلال، أو المترخصات برخص الفقهاء وإن كنّ من عِلية القوم وقد ذكر بوركهارت أن نساء بعض مدن السودان كن يمشين سافرات، قال: "حتى المنتميات منهن للطبقات العليا"، في إشارة منه إلى أن ذلك خلاف المعهود لأهل تلك الطبقة، وإن كان قد أقذع السب لأولئك القوم وقال ذلك في ذيل طعن كثير فالله أعلم به! والمقطوع به أن كشف الرأس لم يكن معهوداً لدى الحرائر، يقول ترمنجهام في كتابه الإسلام في السودان بعد أن ذكر أن خروج النساء وحدهن أو غير محجبات معيب في السودان: "إن ترك الرأس مكشوفاً هو علامة الرق، أو الأصل الاسترقاقي"، وهذا يفسر لك صور بعض البطاقات البريدية.

وإليكم بعض الصور التأريخية التي تظهر فيها الحرة السودانية قبل أن تحكم قبضتها عليها الثقافة التغريبية.

 

 

 

 

   
 

 

 

وبعد! فأقول:

ألا ليت شعري هل لما فات رجعةٌ؟       رعى الله من ترعى العهود وتحفظ!