شبكة الهداية الإسلامية

معاني النجاة في يوم عاشوراء

Fri 2017-9-29 02:56:29
عدد الزيارات: 465

معاني النجاة في يوم عاشوراء

عاشوراء هو العاشر من شهر الله المحرم، وهو يوم عظيم من أيام الله؛ فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: (إن عاشوراء يوم من أيام الله). و في أيام الله تعالى التي فيها حوادث كبيرة وعظيمة ما يستحق ويوجب شكر الله عز وجل؛ يقول الله تعالى لموسى عليه السلام: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)؛ فعاشوراء يوم من أيام الله العظيمة، وقد قدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة – كما في البخاري و مسلم – فوجد اليهود يصومون هذا اليوم، فقال لهم: ما هذا اليوم؟ فقالوا: يومٌ عظيمٌ أنجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من فرعون وملَئه، وفي رواية: "وغرَّق فرعون و ملأه"، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أنا أحق و أولى بموسى منكم)، فصامه و أمر بصيامه. و قد قال ابن عباس رضي الله عنه: (ما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتحرَّى صيام يومٍ من الأيام كما يتحرَّى صيام هذا اليوم – يعني عاشوراء –، ولا شهرًا مثل هذا الشهر –يعني شهر رمضان)"مسلم" فهذا يعني أننا - أيها الأحبة - ينبغي أن نتحرى هذا اليوم، و نحرص على صيامه . هذا اليوم هو يومٌ فارقٌ في تاريخ البشرية، لأن الله أهلك فيه الفرعون الذي هو هو رمزٌ الطغاة و المتجبِّرين في الأرض، و أنجى الله فيه موسى و بني اسرائيل الذين هم رمز المستضعفين (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، فسبحان الله! تأملوا كيف انتقل هؤلاء من الاستضعاف إلى التمكين! كان اليوم الفاصل في هذه النقلة الكبيرة التي فيها غَرَقُ فرعون و انتصارُ المستضعفين: هو يوم عاشوراء. ولهذا فإن يوم عاشوراء هو يومٌ نستلهم منه معاني النصر والتمكين، في وقت نجد فيه المسلمين مشردين مكلومين مظلومين، في بورما، وسوريا، والعراق؛ يضطهدون في أوطانهم وبلدانهم و ينكَّل بهم .. لنقف معًا نستنطق القرآن وننظر الحال التي كان فيها موسى حتى نصل إلى علاج حالنا اليوم.

يقول الله تعالى عن موسى عليه السلام في لحظة من لحظات الشدة والبأساء التي نزلت ببني اسرائيل: (وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) كانت دعوةً موسوية هارونية، فموسى يدعو، وهارون يؤمن، والله يستجيب (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، ربنا يقول لهم: أنا أريد منكم أن تستقيموا على شرعي و ديني، فهذا شرطٌ مهم جدًا للانتقال من حالة الاستضعاف إلى حالة التمكين، وهو أن نؤدي شرط الله في الاستقامة، فأي أمة لا تريد الاستقامة و التوبة و المصالحة مع الله بصدق؛ فلا يرجى لها التمكين ولا الخروج من مآزقها و ابتلاءاتها. (وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، فالاستقامة لا تحتمل الروغان، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله مبينًا هذا المعنى في الآية، "استقاموا على محبته ومعرفته ولم يروغوا روغان الثعالب)، فهنالك من لا يعلم ويريد الأهواء (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)، فهل نحن أمام طريق الله؟!
لمَّا أدى موسى عليه السلام ذلك الشرط؛ جاء هذا اليوم العظيم، (
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِين) قال فرعون مثلما قال طاغية تونس في ثورة تونس (الآن فهمتكم) ! .. فجاء فهمه متأخرًا كما جاءت توبة فرعون متأخرة لحظة الغرق، و في لحظة الغرق لا يقبل الله التوبة (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) هذا أعظم درس من دروس عاشوراء أيها الأحبة .. لزوم الاستقامة حتى يبدل الله الحال . عندما يأتي الحديث عن عاشوراء يأتي ذكر الخزعبلات الرافضية و ما يفعلونه من ضرب القامات و جرح الأبدان، تقربًا إلى مَن؟! (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم و آمنتم) ؟ أيُّ دينٍ هذا الذي يقوم على تعذيب النفس؟ هذا دين إبليس و دين الشيطان الرجيم .. نعم، ابتليت الأمة في عاشوراء بمقتل سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه، وهو شهيدٌ و لا شك، لكن لا يوجد عندنا في الدين أن نتخذ يومًا قُتل فيه ولي من أولياء الله أو نبيٌ من أنبيائه يومَ حزن؛ و إلا لكان يوم الاثنين هو يوم حزن لفقدنا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاتخذه الصحابة يومًا يضربون فيه الخدود ويشقون الجيوب، لكنهم لم يفعلوا، لأن ذلك من أفعال الجاهلية، و ما يفعله هؤلاء الرافضة ضلالٌ إلى ضلال، بل كما قال بعض علمائنا: يريد الله أن ينتقم منهم، كما رموا أمنا عائشة رضي الله عنها بالفاحشة و قد برأها الله من فوق سبع سماوات بقرآن يتلى إلى يوم القيامة = اقتص منهم في هذه الدنيا كل سنة يوم عاشوراء، يجلد بعضهم بعضًا ! و لعذاب الآخرة أشد و أبقى.

من أحكام هذا اليوم مع الصيام: أن نصوم يومًا قبله، لأن النبي عليه الصلاة و السلام أراد أن يخالف اليهود الذين يفردون عاشوراء بالصيام، فقال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) ، فالأفضل للإنسان أن يصوم يوم تاسوعاء وعاشوراء. و هنا مسألة يسأل عنها كثيرٌ من الناس، و هي حكم صيام يوم السبت، و يذكرون قوله عليه الصلاة والسلام (لا يصومن أحدكم يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)، هذا الحديث قد اختلف في صحته، و على القول بصحته فالنهي المقصود هنا هو تعيين السبت بالصيام، مثل تعيين الجمعة بالصيام، أما إذا لم يكن مقصود الصائم تعيينَ السبت بالصيام فهذا لا شيء فيه، كأن يوافق يوم السبت يومًا فاضلًا كيوم عرفة أو يوم عاشوراء أو الأيام البيض، أو كان الصائم يفطر يومًا و يصوم يومًا كصيام داوود، وقد دخل الرسول صلى الله عليه وسلم على امرأة صائمة يوم الجمعة فقال: أصمتِ بالأمس؟ قالت: لا، قال: أفتصومين غدًا، قالت: لا، قال: فأفطري) ، فيُفهم من هذا أنه إيذان بجواز صيام يوم السبت.

نحن – أيها الكِرام - أمام غنيمةٍ باردة، صيام يوم واحد؛ يكفر سنةً كاملة، كما قال صلى الله عليه و سلم (صيام عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر سنة ماضية) أسأل الله أن يكفر ذنوبنا، ويتجاوز عن سيئاتنا، وأن يجعل أعمالنا كلها صالحة، ولوجهه خالصة، و أن يبدل حال هذه الأمة من الضعف إلى القوة، و من الشر إلى الخير، و أن يجعلنا كما يحب ويرضى.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.