شبكة الهداية الإسلامية

المرتقى الصعب!!

Thu 2012-10-4 14:29:32
عدد الزيارات: 4161

المرتقى الصعب!!

المرتقى الصعب !

يقول القرطبي في( التذكرة) : " تفكر الآن فيما يحل بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك واضطراب قلبك وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض، فضلا عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وضعت عليه احدى رجليك، فأحسست بحدته، واضطررت إلى أن ترفع قدمك الثاني، والخلائق بين يديك يزلون ويعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون إلى جهة النار رؤوسهم وتعلوا أرجلهم فياله من منظر ما أفظعه! ومرتقى ما أصعبه! ومجاز ما أضيقه! "

أبت نفسي تتوب فمـا احتيالي    إذا برز العباد لذي الجـلال
وقـاموا من قبورهم  سكارى      بأوزار كأمثــال الجـبال
وقد نصب الصراط لكي يجوزوا   فمنهم من يكب على الشمال

ومنهم من يسير لدار عدن      تلقاه العرائس بالقوال

وقال آخر:

إذا مد الصراط على الجحيم          تصول على العصاة وتستطير

فقوم في الجحيم لهم  ثبور          وقوم في الجنان لهم مقيـل

وبان الحق وانكشف المغطى        وطال الويل واتصل العويـل

الخطف بحسب الأعمال :-

إنّ الخلق يتفاوتون في سيرهم على الصراط بحسب الأعمال، والكلاليب تخطف الناس أيضاً بحسب أعمالهم قال النووي في شرح مسلم في قوله r :( تخطف الناس بأعمالهم ) :" يجوز أن يكون معناه تخطفهم من قدر أعمالهم، والله أعلم " .

حتى ما يقسم الله تعالى من النور للسير على الصراط فإنما مرده إلى الأعمال التي يقدمها الناس في الدنيا استقامة على صراط الأرض ،قال r :(( فيعطون نورهم على قدر أعمالهم ))[1] وقال :(( فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ مرة ، إذا أضاء قدم قدمه وإذا أطفئ قام ،قال : فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحض مزلة،  فيقال لهم : امضوا على قدر نوركم ، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملا ً، فيمرون على قدر أعمالهم ، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه ، تخر يد وتعلق يد ،وتخر رجل وتعلق رجل ، وتصيبه جوانبه النار ، فيخلصون ، فإذا خلصوا قالوا :الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك ،لقد أعطانا الله ما لم يعط أحداً

ونجد مصداق هذا في كتاب الله في قوله تعالى: ] نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [

إن الاستقامة يوم القيامة على صراط الآخرة المهيب المخيف ، يكون بحسب استقامة المرء على صراط الإسلام والإيمان في حياته الدنيا ،فإن الذي يهدى اليوم إلى الصراط المستقيم فيعتدل عليه ولا يلتفت عن إرادة الله تعالى وعبادته يمنة ولا يسرة، فإنه الذي يوفق يومها للإعتدال والثبات والسير المجد على الصراط المهول الذي إذا نصب قالت الرسل :رب سلم رب سلم ، قال تعالى :] وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً *فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [.

وأما الذين تزل أقدامهم في حياتهم الدنيا عن الصراط المستقيم إلى سبيل الشياطين ، فإنهم الموبقون المهزومون يومئذ ، خدشاً وكدساً في نار السموم .

إذا كان ما مضى هو عن صراط ( الموعد ) صراط الآخرة ، فما هو الصراط المستقيم الذي أمرنا بسلوكه في الدنيا ، يقول العلامة ابن القيم :" وللهداية مرتبة أخرى وهي آخر مراتبها وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة ،وهو الصراط الموصل إليها ،فمن هدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم الذي أرسل به رسله،وأنزل به كتبه ،هدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته ودار ثوابه وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار،يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم ،وعلى قدر سيره يكون سيره على ذاك الصراط .. فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا ،حذو القذة بالقذة جزاء وفاقا ] هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [[2] ولينظر الشبهات والشهوات التي تعوقه من سيره على هذا الصراط المستقيم ، فإنها الكلاليب التي بجنبي ذاك الصراط ، تخطفه وتعوقه عن المرور عليه ، فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك ] وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ [ ."[3].

 

_______________

1][1] ) أخرجه الحاكم 2/ 376. وصححه اللأباني في شرح الطحاوية ص:415.

4) التحريم :8

[2] ) النمل:90

[3] ) تهذيب مدارج السالكي