شبكة الهداية الإسلامية

عدم التحاكم إلى شرع الله جالب لكل بلاء.

Thu 2012-11-22 21:24:04
عدد الزيارات: 4015

عدم التحاكم إلى شرع الله جالب لكل بلاء.

2012-11-22
 
 
الحمد لله القائل: "إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (سورة يوسف: 40)، والقائل: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ"، (سورة الأعراف: 96)، وصلى الله على رسوله القائل: "يا معشر المهاجرين والأنصار؛ خمس إذا ابتليتم بهم، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلاَّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلاَّ سلط عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلاَّ جعل الله بأسهم بينهم شديد" (سنن ابن ماجه في باب العقوبات عن ابن عمر).
وعن ابن عباس يرفعه كذلك قال: "خمس بخمس: "ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت عليهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر" (رواه ابن ماجه والطبراني وله شاهد).
ورضي الله عن عمر القائل: (لقد أعزنا الله بالإسلام فمن ابتغى العزة في غيره أذله الله).
أمَّا بعد..
فإن عدم التحاكم لشرع الله والتمرد عليه والإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض جالب لكل بلاء، وسبب لهذا الغلاء، ولهذه المعيشة الضنكة.
أغلب المنتسبين إلى الإسلام اليوم من كل الشرائح، سيما الحكام الظلمة، وعلماء السوء الغشمة، والسياسيين الجهلة، وكثير من العوام تبع لهم لا يريدون التحاكم لشرع الله، متمردون عليه، إن بلسان الحال أو المقال، راغبون عنه، محاربون لله ورادون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومستكبرين عن صراط الله (بل إلى أوضاع القوانين البشرية الشيطانية أميل وأطوع منهم إلى أوضاع القانون الإلهي، والوحي السماوي، وترك المتشدقين المتحذلقين الذين يزعمون أنهم يريدون ترقية الأمة ولم شعثها، وضم شملها، بأفكارهم الفاسدة، وآرائهم الكاسدة، وسياساتهم المخالفة المنابذة لسياسات الشريعة الحقة الصادقة، لا يقومون مقاماً ولا يجلسون مجلساً إلاَّ حثوا فيه الناس اتباع كل صادق وناعق، الذين يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق على ما يتمكنون به من مقتضيات أهوائهم النفسانية، ومشتهيات أطباعهم البهيمية الشيطانية، من قوانين أهل الكفر والصليب، والتشبه بهم في الأفعال والأقوال، فنرى لذلك قلوب الناس من قريب  وبعيد، وحاضر باد إلاَّ من عصمه الله من الأفراد متمالئة على قبولها غير مكترثين بالقانون الذي نزل من عند الله وبيَّنه لنا رسول الله المعصوم، الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاَّ وحي يوحى حتى جعلوا التحاكم إليها والتعويل في الأحكام عليها).
لجهل الناس بالإسلام، وغفلتهم عن شرعة ولد عدنان، لا يردون الأمور إلى مسبباتها الحقيقية وإنما لأسباب مادية، وعلل فاسدة وهمية، نحو تسلط دول الكفار والاستكبار على ديار الإسلام وثرواته، والظلم والتعدي، والفقر والحياة النكدة، والتخلف في مناحي الحياة، ولا يردون ذلك إلى السبب الأساس إلى خذلانهم لدينهم وتخليهم عنه، ونبذهم إياه وراءهم ظهرياً، والسعي في نيل الرضا من الكفار، وذلك لتجاهلنا المسلمات في ديننا: "إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (سورة الرعد: 11)، "وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" (سورة البقرة: 120)، "إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" (سورة محمد: 8)، "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (سورة النور: 63)، "إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى" (سورة آل عمران: 160)، وقال صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن تداعي عليكم الأمم من كل أفق كما تداعي الأكلة على قصعتها"، قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟، قال: "أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن"، قالوا: وما الوهن؟، قال: "حب الدنيا وكراهية الموت" (مسند أحمد عن ثوبان).
نعيــب زماننــا والعيب فينــا     فمــا لزماننــا عيب سوانــا
ولله در الإمام محمد بن إبراهيم العبدري حين قال: (لولا انقطاع الوحي لنزل فينا أكثر مما نزل فيهــــــــم – يعني بني إسرائيل–؛ لأننا اتينا أكثر مما أتوا).
ما السبب الذي جعل الصحابة الكرام، والتابعين العظام، يفتحون قلوب العباد لهذا الدين قبل أن يفتحوا البلاد، وينشروا هذا الدين في كل أنحاء المعمورة في زمانهم في مدة لا تتجاوز المائة عام.
بينما الخلف يعيشون في هذا التيه، وفي هذا التخلف ويكونون عالة على الكفار ويستغلون بلادنا ومواردنا بعد أن كنا سادة لهم؟، سوى اعتصامهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم مع خذلان الخلف لهذا الدين وتضييعهم لحقوق رب العالمين.
ورحم الله الشاعر المصري محمود غنيم القائل:
أنَّـى اتجهت إلى الإسلام في بلد     تجده كالطير مقصوصاً جناحاه
كم صرفتنــا يد كنا نصرفهـــــا     وبــات يملكنا شعب ملكنــــــاه؟
قال مؤلف رسالة (تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن)، المتضمنة في مجموعة الرسائل المنيرية: (ألا ترى أن الصحابة رضيَ الله عنهم بعد وفات نبيهم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فتحوا ما فتحوا من الأقاليم والبلدان، ونشروا الإسلام والإيمان والقرآن في مدة نحو مائة سنة مع قلة عدة المسلمين وعددهم وضيق ذات يدهم ونحن مع كثرة عددنا –الآن مليار وثلث– ووفرة عددنا وهائل ثرواتنا وطائل قواتنا، لا نزداد إلاَّ ضعفاً وتقهقراً إلى الوراء، وذلاً وحقارة في عيو ن الأعداء، وذلك لأنَّ من لا ينصر دين الله لا ينصره، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ"، (سورة محمد: 7)، فرتب نصره على نصره الله بإقامة طاعته وطاعة رسوله، فأفهم أنه لا ينصر من لا ينصره، وهو كذلك كما جرت به عادته وسنته في عباده.
إلى أنْ قال:
ثمًّ بيَّن تعالى الذين ينصرون دينه بقوله: "الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ"، (سورة الحج: 41) ، فمن لم يكن موصوفاً بهذه الصفات الأربع ممن مكنه الله تعالى في الأرض فلا حظَّ له في نصرة الله تعالى).
متى ظهرت بدعة التحاكم لغير شرع الله؟!
ظهرت هذه البدعة في المسلمين بعد سقوط الدولة العثمانية عندما تكالبت عليها قوى الشر من كفار ومنافقين، وقسِّمت إلى دويلات ضعيفة هزيلة بحدود وهمية، واستعمرت واستغلت ثرواتها، ولم يخرجوا منها إلاَّ بعد أن اطمأنوا إلى من يخلفهم فيها من الحكام والساسة الجهلاء، فكان استقلالها استقلالاً اسمياً، وتحررها تحرراً وهمياً، ومن ثمَّ حلت القوانين الوضعية محل الشريعة الإسلامية، واستبدل نظام التعليم الإسلامي بنظام علماني لا ديني على غرار ما هو عليه الحال في ديار الكفار، وعملت وسائل الإعلام عملها في إفساد العقائد، والأخلاق وتغريب المسلمين في دينهم.
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم:
من السنن الشرعية التي لا تتغير ولا تتبدل: "وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا"، (سورة الفتح: 23)، إن الله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم بالتوبة النصوح، وبالاعتصام بالكاتب والسنة وما أجمعت عليه الأمة، فلا صلاح لهذه الأمة إلاَّ بما صلح به أولها، وكان صلاح أولها بتمسكها بكتاب ربها وسنة نبيها، فالدين تمَّ وكمل، فما لم يكن في ذاك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً كما قال مالك الإمام.
قال حذيفة: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله، فلا تعبدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً، فاتقوا اله  يا معشر القراء، وخذوا بطريق من كان قبلكم)، (الاعتصام للشاطبي جـ2/132).
التولي عن حكم الله وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
التولي عن حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم سبب لكل بلاء وعناء، فالجزاء من جنس العمل، فمن تولى عن حكم الله ورسوله تولى الله عنه، ومن تولى الله عنه فأنَّى له الفلاح والنجاح، وكيف لمن حاد الله ورسوله وتمرد على شرعه ودستوره أن يؤيده وينصره؟، بل لا يزال أمره في سفال وحاله في خسران ومصيره إلى النيران: "إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ" (سورة المجادلة: 20).
فالتولي عن حكم الله ورسوله هو الكفر المبين، وهو سبب الشقاء في الدارين، والخسران العظيم: "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" (سورة آل عمران: 85)، "فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا" (سورة النساء: 65)، "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" (سورة المائدة: 44)، "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (سورة المائدة: 47)، "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (سورة المائدة: 45).
احذر أخي المسلم أن يستخفك الشيطان بأن آيات المائدة قاصرة على بني إسرائيل، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ودع عنك أوهام المتفلتين من المرجئة المخذولين الذين قصروا الإيمان في مجرد النطق بالشهادتين، أو التصديق بالقلب الذي هو أخو التكذيب العاري من العمل.
قال الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في الرد على أولئك المتفلتين الذين قصروا آيات المائدة على بني إسرائيل: (نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لهم كل مُرة، ولكم كل حلوة، كلا والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك) (الطبري جـ6/253)، وصدق والله الإمام محمد بن إبراهيم العبدري حين قال: (لولا انقطاع الوحي لنزل فينا أكثر مما نزل فيهم، لأنَّا أتينا أكثر مما أتوا) (المعيار المعرب للونشريسي جـ2/480).
الله عز وجل ليس بينه وبين أحد نسب سوى الإيمان والتقوى، فمن تخلى عن دينه تخلى الله عنه، ومن نصر دينه نصره الله، بل هذه الأمة أولى بالمؤاخذة من الأمم السابقة لقرب عهدها برسالة ربها.
"رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"، (سورة البقرة: 286).
مظاهر عدم التحاكم لشرع الله والتمرد عليه:
لاشك أن مظاهر ومجالات عدم التحاكم لشرع الله، ونبذ جل الأمة وتمردها عليه كثيرة جداً، ومتنوعة، ولكن سنشير إلى أخطرها، وهي:
1.    استبدال الذي هو أدنى – القوانين الوضعية والدساتير الأرضية– بالذي هو خير، شرع الله المصطفى.
2.    العقائد الكفرية، نحو عقيدة وحدة الوجود والاتحاد، والممارسات الشركية، والاستغاثات الوثنية التي عمت وطمت.
3.    الفساد الأخلاقي المتمثل في التبرج، والسفور، والعري، والاختلاط، والفجور.
4.    غياب عقيدة الولاء والبراء التي نتج عنها خذلان أخوة العقيدة، وسلبت وغزيت بسببها كثير من البلدان بدءاً بالأندلس ومروراً بفلسطين، وأفغانستان والعراق.
5.    غياب فريضتي:
•    الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، الذي رفعه نبي الملحمة لمدة عشر سنوات وسار على طريقه خلفاؤه الراشدون، ومن بعدهم من الحكام الصالحين.
•    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هي صمام الأمان لهذه الأمة، وسفينة نجاتها، ودليل خيريتها.
6.    انتشار البدع والمحدثات التي قامت على انقاض السنن الواضحات.
7.    تفشي الظلم والآثرة وانتفاء العدل والإيثار.
8.    التشبه بالكفار وتقليدهم في أخس ما عندهم.
9.    إيثار الفانية على الباقية.
10.    الغنى المطغي لقليل من الناس والفقر المنسي للغالبية العظمى من المسلمين بسبب عدم التكافل والمواساة، وإغفال الأخوة الإيمانية.
11.    تداعي أمم الكفر على الإسلام والمسلمين، واستغلال ثروات المسلمين، والسعي لإفسادهم عقدياً وأخلاقياً بسبب تفشي الجهل والفقر والمرض على قطاع كبير منهم.
12.    إحلال نظام التعليم عند الكفار محل التعليم الشرعي حيث أضحت مدارسنا وجامعاتنا على غرار ما عند الكفار.
13.    وسائل الإعلام المتهتك المقروءة والمسموعة والمرئية الداعية إلى الرذيلة والتحرر من الآداب الشرعية، والأخلاق الإسلامية والعري والتبرج والسفور التي تسعى لدس السم في الدسم، بجانب التعتيم والتقليد والمحاكاة لكل ما عند الكفار.
سبب كل ذلك بعد تقدير الله وما كسبت أيدينا يرجع إلى سببين رئيسين، هما:
1.    حكام راغبون عن شرع الله، متمردون عليه، سادرون في غيهم، غاشون لرعاياهم، آخذون بالظنة، لا يرقبون في مؤمن إلاَّ ولا ذمة، لا همَّ لهم إلاَّ تثبيت عروشهم، وتوريث الحكم لمن يليهم، مستشيرون ومستعينون بعلماء السوء الأشرار، وبالعلمانيين الفجار، بل وبالمغضوب عليهم من الكفار، غافلون عما توعد الله به هذا الصنف من الحكام: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلاَّ حرَّم الله عليه الجنة" (متفق عليه). "ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثمَّ لا يجهد لهم، وينصح لهم إلاَّ لم يدخل معهم الجنة" (مسلم).
"اللهم من وليَ من أمر أمتي شيئاً، فشقَّ عليهم، فاشقق عليه، ومن وليَ من أمر أمتي شيئاً، فرفِقَ بهم، فارفِقْ به"، (مسلم). "إنَّ شر الرعاء الحُطمة"، (متفق عليه)، والحطمة: العنيف برعاية الإبل، ضربه صلى الله عليه وسلم مثلاً لوالي السوء، أي القاسي الذي يظلمهم، ولا يرق لهم ولا يرحمهم (هامش رياض الصالحين صـ240- هامش(1)).
قال عمر رضي الله عنه: "لو أن بغلة بشاطئ الفرات عثرت لخشيت أن أسأل عنها لما لِمَ لمْ أعبِّد لها الطريق" ورضي الله عن الخليفة الراشد عثمان القائل: (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).
فبصلاح الحاكم تصلح الرعية، ولهذا روي عن الإمام أحمد والفضيل بن عيَّاض رحمهما الله أنهما قالا: لو كان لي دعوة مستجابة لادخرتها لإمام عادل، أو كما قالا.
فالحاكم الذي لا يُحكم شرع الله، ويجعله وراءه ظهرياً فهو حاكم خائن لله ولرسوله، فاسق، ظالم، كافر بحكم الله ورسوله ولو أطعم رعيته المنَّ والسلوى.
2.    فشو الجهل الذي هو علامة من علامات الساعة، وذهاب العلم، ونعني بالعلم: العلم الشرعي، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله:
العلــم قال الله، قال رسولــه      وما سوى ذلك وسواس الشيطان
وعدم الاشتغال به، فالعلم قائد والعمل تبع له: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ" (سورة محمد: 19)، ومن ثمَّ لا يحل لأحد أن يتشاغل بأي علم أو يتخصص في أي فن من فنون المعرفة إلاَّ بعد أن يعرف ما أوجبه الله عليه من العلم، بعد أن يعرف حق الله وحق رسوله ونحو ذلك.
فمن جهل شيئاً عاداه، سبب عداء بعض المنتسبين للإسلام وتمردهم عليه اليوم ناتج عن جهلهم بحقيقة هذا الدين حيث لا يعرف جلهم من الإسلام إلاَّ اسمه ولا عن القرآن إلاَّ رسمه.
فحي هلا أخي الشاب الذي يهمه أمر الإسلام –على العلم الشرعي ولو أدى ذلك إلى ارتحالك من بلدك ومفارقتك لأهلك، واحذر خداع الشيطان وما يزينه لك بعض الأهل والجيران: تسلح بالشهادة الجامعية لتعيش عيشة هنية، وبعد التخرج والوظيفة يمكنك أن تتعلم ما أوجبه عليك ربك!!.
من كان يستطيع التوفيق بين تعلم ما أوجبه الله عليه من العلوم الشرعية والمواصلة في دراسته الجامعية فلا حرج عليه، أمَّا من لم يمكنه التوفيق فلا يسعه التخصص في العلوم المدنية، واغفال ما أوجبه عليه خير البرية.
الحذر أيها الوالدان ومن يليهم من الأهل والإخوان:
أن تحولوا بين أبنائكم وبين تحصيلهم للعلم الشرعي بحجج وهمية ومخاوف شيطانية، أو أن تحولوا بينهم وبين مخالطة العلماء، واعلموا أن الأمة لن تؤتى أبداً من قبل علمائها الشرعيين الفقهاء الربانيين الحكماء، ولكنها دائماً تؤتى من قبل الأدعياء والرؤوس الجهال الخبثاء، والمبتدعة المفسدين الأغبياء، وعلماء السلاطين التعساء، وقرناء وجلساء السوء الأشقياء، ولله در العالم الباطل عبدالله بن المبارك القائل:
وهل أفسد الدين إلاَّ الملوك     وأحبــار سوء ورهبانهــا؟!
الطاعة لا تكون إلاَّ في المعروف:
واعلموا أيها الوالدان هداني الله وإياكما وشرح صدورنا لما فيه خيرنا وخير أبنائنا: أن الطاعة لا تكون إلاَّ في المعروف، إذ لا طاعة في معصية الله عز وجل، فمن لم يطع والديه أو أحدهما، أو من تجب عليه طاعته كالزوج في ترك واجب، نحو الاشتغال بالعلم الشرعي، اعفاء اللحية، النقاب للبنت، الخروج للجهاد إذا تعين، إمَّا إن كان فرض كفاية فلا يحل الخروج له أبداً إلاَّ بعد إذن الوالدين، شهود صلاة الجماعة ونحو ذلك، أو ارتكاب محرم نحو: مصافحة الأجنبي ذكراً كان أم أنثى، أو إجباره للذهاب للدراسة في ديار الكفر من غير ضرورة وما شابههما ان هذا ليس من باب العقوق بل هذا من أبر البر بالوالدين والإحسان إليهم لو كانوا يعلمون.
سأل شاب سعيد بن المسيب أن أمه تمنعه من الذهاب إلى صلاة العشاء خوفاً عليه، فقال له: لا تطعها.
اعلموا أيها الوالدان ومن يليهم من الوليان: 
أنه لابد لأبنائكم من جلساء ورفقاء وأصدقاء صالحين كانوا أم طالحين فإن منعتم أبناءكم من الاقتراب من العلماء وطلاب العلم ومن الأخيار دفعتموهم دفعاً لمجالسة الأشرار ومعاقري الخمور والمخدرات والخروج والولوج في الفضائيات وغير ذلك من سفاسف الأمور ومحقراتها ومن المحرمات.
وصايا بعض الأخيار لابنائهم:
أيها الوالدان أين أنتم من وصية لقمان الحكيم لابنه: "يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ" (سورة لقمان: 17).
وقال كذلك لابنه: (من يقارن قرناء السوء لا يسلم، ومن لا يملك لسانه يذم، يا بني كن عبداً للأخيار، كن أميناً تكن غنياً، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، ولا تجادلهم، خذ منهم إذا ناولوك، والطف بهم في السؤال ولا تضجرهم، إن تأذيت به صغيراً انتفعت به كبيراً، كن لأصحابك موافقاً في غير معصية، ولا تحقرن من الأمور صغارها فإنَّ صغارها غداً تكون كباراً، وإياك وسوء الخلق والضجر وقلة الصبر، إن أردت غنى الدنيا فاقطع طمعك مما في أيدي الناس) (تهذيب الأسماء واللغات للنووي جـ2/71-72).
ومما وصى به سليمان بن عبدالملك بنيه قائلاً: (يا بني عليكم بالعلم، لقد أذلنا هذا العبد ذلة لن أنسها)، وذلك عندما جاء لحلقة عطاء بن أبي رباح يسأله عن بعض المناسك فلم يلتفت إليه عطاء ولم يقدمه على من سبقه.
ومما وصى به القائد المسلم البطل المهلب بن أبي صفرة لبنيه: (إياكم أن تجلسوا في الأسواق إلاَّ عند زراد، أو ورَّاق)، أراد الزراد لصنع سلاح الحرب، والوراق للعلم.
وفي رواية: (لا تقعدوا إلاَّ عند بائع السلاح أو بائع الكتب) (العقد الفريد لابن عبد ربه جـ2/79).
أيتها الأم الرؤوم، أين أنت من والدة سفيان الثوري التي دفعت ابنها إلى حلقات العلم وإلى مجالسة العلماء ومزاحمتهم بالركب منذ نعومة اظفاره حيث قالت له: (خذ هذه عشرة دراهم، وتعلم عشرة أحاديث، فإذا وجدتها تغير في جلستك ومشيتك وكلامك مع الناس فاقبل عليه، وأنا أعينك بمغزلي هذا وإلاَّ فاتركه، فإنِّي أخشى أن يكون وبالاً عليك) (صفة الصفوة لابن الجوزي جـ3/189).
ومن أم مالك الإمام التي وجهته لدراسة الفقه بعد أن شرع في تعلم الغناء.
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وغنى وصرف عنَّا برحمتك شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، وهب مسيئنا لمحسننا، وصلي اللهم وسلم على رسولك الذي أنزلت عليه كتابك، وختمت به رسلك وأنبيائك، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى اكتمال العدتين.
 
(الموقع الرسمي للشيخ الأمين الحاج، الدين النصيحة)