شبكة الهداية الإسلامية

بين موت العلماء وموت غيرهم.

Wed 2013-1-23 14:54:27
عدد الزيارات: 1926

بين موت العلماء وموت غيرهم.

كلنا يحفظ عبارة الإمام أحمد –رحمه الله- "قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز"، فكانت الكثرة الكاثرة من شعوب المسلمين تخرج في جنازة أهل العلم وذلك لأنّ موت العلماء سبب لرفع العلم النافع بموت حملته وانتشار الجهل الناقع، فهم- أي العلماء- ينفون عن هذا الدين الإسلامي تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ولولاهم- بتوفيق من الله لهم -: لطمست معالمه وانتكست اعلامه بتلبيس المضلين وتدليس الغاوين،وكيف لا وقد كانت لهم قدم صدق في خدمة الإسلام وأهله وقد عرضت عليهم الدنيا فأبوها والبدع فنفوها فما أبصرهم بالدين وما أصبرهم على الدنيا.

وإنك لتعجب ممن شهد جنازة الإمام أحمد – رحمه الله- حيث فاق الذين شيعوه أكثر من – 2 مليون نسمة- ويوم أن مات  كما أخبر أهل التراجم والسير، أسلم ما يقرب من – 20 ألف من اليهود والنصارى والمجوس من عظم ما رأوا من تعظيم الناس في ذلك الزمان لأمر العلماء والمصلحين في الأرض وكأن لسان حالهم كما قال أحد الأدباء المعاصرين:" إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح و كتبت لها الحياة.”
وكيف لا يعجب المرء من ذلك والسماء والأرض لتبكي بفقدهم كما قال تعالى "أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها" قال بعض أهل التفسير : نقصان الأرض من أطرافها بموت العلماء . وقال تعالى "فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين"" فدلت الآية بمنطوقها على أن السماء والأرض تبكي  بموت العلماء وأهل الصلاح ودلت بمفهومها على أنّ موت غيرهم تستريح منه السماء والأرض والبلاد والعباد.
وقل مثل ذلك في مَنْ بموتهم منقصة ونقمة وبلاء، كموت العابد القوَّام الذي يناجي ربه في كل ظلمة، وكذلك الحاكم العدل الذي ينشر الخير والعدل بين الناس، فلا يُظلم عنده أحد، أوموت الفتى الكريم الجواد الذي يبذل ماله ابتغاء وجه الله، أوموت المجاهد في سبيل الله الذي بذل روحه ودمه رخيصة في سبيل الدين يسأل الله المغفرة والرضوان ورفع راية التوحيد.

أما في هذا الزمان فإنك إن تعجب فعجب من فئام من الناس ليست بالقليلة من تعظيمهم لأمر الملاهي ومن يسِّوق لها حتى تكاد تجري الدموع دماً، وتلهج الألسنة بما لا يليق أن يقال، وقد كنت أستمع لبعض هؤلاء الذين تكاثروا جدا في تشييع جنازة أحد أولئك الملأ من المغنيين وقد أفضى إلى ربه وأمره إلى الله فلا يتألى أحد على ربه في حالهم في الآخرة ولكن ما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين، ولا يتحدث الشخص عنه بقدر ما يتحدث عن أولئك الذين لهجوا بدعاء على أنفسهم بالموت والبقاء لذلك المغني وقد ضربوا الخدود وشقوا الجيوب ودعوا بدعوى الجاهلية.

حقيقةً؛ إنّ المرء لا يمكن أن يشمت لموت أحد من الناس، لأن الموت كأس كل الناس ذائقه وقد قال تعالى " وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ" ولكن حُقَّ للشخص أن يتساءل، هل تغير المزاج العام عند فئام من الشباب السوداني بحيث أصبح للغناء والطرب حيز كبير جدا في نفوسهم، وتعلقوا به أشد التعلق، حتى على مستوى الأجهزة الإعلامية، حيث أعلنت جل الأجهزة الإعلامية الحداد، ولبس بعض الإعلاميين الحداد لموت أحدهم ؟ وهل ما حدث تغير نحو توجه الشباب نحو الانحياز للمغنين والمغنيات بسبب ضعف الوازع الديني عندهم، والقصور التربوي في توجيههم.؟

لاشك أنّ عدم استغلال طاقات الشباب فيما يفيد وينفع، وتركهم نهباً للفراغ، وألعوبة بمن يتاجرون بآمالهم وأحلامهم وغياب البرامج الهادفة  التي تسلط الضوء على مشاكلنا وهمومنا وقضايانا لتهتم جل ما تهتم بأولئك النجوم من مشاهير الفن والرياضة والإعلام، مع ما تقدمه تلك القنوات الفضائية من كليبات غنائية مبهرة لتهدم مما يبنى على مدار سنين عديدة من عمر هذا الشباب في مدارسهم، أو في المساجد، مما يسمعونه أو يتعلمونه من آداب جليلة وقيم عليا تدفع بهم إلى بر الأمان صيانة لدينهم وعقولهم، لا شك أن مثل هذا الواقع سيفرز طبعاً شباباً غير منشغلين بقضايا وطنهم وقضايا المجتمع بل منشغلين فقط بالمظاهر الكاذبة والمزيفة، فيندفعون بلا شعور لتقليد ذلك النجم أو تلك النجمة من أجل لفت النظر والشعور بالتميز كتميز المشاهير، بينما لا نراهم مثلاً يتقمصون مشاهير الفكر والعلم.

ولكن قد يحتاج هذا الأمر الذي قد تكرر مرارا في هذه البلاد وغيرها إلى وقفة تأملية من المصلحين في الأرض حتى ينشروا بين الناس ثقافة تعظيم الشريعة وحملتها وكونها من تعظيم شعائر الله، ولعل من أعظم أسباب ما يلحظه البعض من خبو ذلك الوهَج الإيماني من قلوب كثير من أهل الإسلام،  تلك العداوة الظاهرة والباطنة للدين وأهله وحملته.

عموما إنما يحب المرء ويبغض على قدر تمسكه بالكتاب وهدي النبي صلى الله عليه وسلم أو بعده عنهما؛ فمن كان أعظمهم تمسكا بهدي النبي عليه الصلاة والسلام كان أشدهم حبا في قلوب المؤمنين، لأجل إيمانه لا من أجل شخصه، ومن دعا إلى معصيىة أو عمل بها يبغض على قدر تلك المعصية، إلا أن يتوب إلى الله من تلك الذنوب ويقلع في الحال ويعزم على عدم العودة إليها والأعمال بالخواتم فمن تاب تاب الله عليه ولنا ما ظهر من أعمال الناس والبواطن لا يعلمها إلا الله تعالى.