المشرف العام الشيخ الدكتور

محمد عبدالكريم الشيخ

شبهات حول بعض الأحكام والنصوص

شبهات حول بعض الأحكام والنصوص

مركز الفتوى بشبكة الهداية الإسلامية

السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله، نحن مجموعة من طلاب السنة الأولى في المرحلة الجامعية، وبعد دخولنا في الجو الجامعي، واحتكاكنا بمعظم التيارات الموجودة (المعروفة لديكم)، لاحظنا من خلال الحوار والنقاش أن بعض الإشكاليات حول بعض الأمور الشرعية قد رسخت في أذهان الكثيرين منا، نرجو منكم إفادتَنا بما يتعلق بالشبهات والمسائل التالية حول بعض الأحكام الموجودة في الشريعة الإسلامية، حتى نجتهد في دفع ما فيها من شبهات، رغم أننا سألنا الكثيرين من أهل العلم، ولم نجد الإجابات المقنعة أو الواضحة، خاصة أن من نناقشهم ونحاورهم قد لا يقتنعون بمجرد الدليل الشرعي، إذا ظنوا بفهمهم الخاطئ أنه يعارض العقل، والمسائل هي:

أولا: حديث ( ينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا … )، والإشكالية: أن الثلث الأخير من الليل يتنقل من دولة إلى أخرى، فلا تخلو ساعة من ساعات اليوم إلا وتكون جزءًا من الثلث الأخير من الليل في بقعة ما من بقاع الكرة الأرضية، فهل يعني هذا أن الله جل جلاله دائما يكون في السماء الدنيا، أم كيف نفهم هذا الحديث؟

وإذا كان ينزل للسماء الدنيا نزولا حقيقيا، فهل يكون العرش خاليا؟ أم يكون في العرش والسماء الدنيا في آن واحد ؟

ثانيا: حديث عند البخاري، فيه أن الشمس بعد الغروب كلَّ يوم تسجد تحت العرش وتستأذن الله جل جلاله في أن تشرق في اليوم التالي، الإشكال: أننا نعلم أن الشمس ثابتة لا تتحرك، وإنما الأرض هي التي تدور حول الشمس، وعندما تغرب من بلدنا فهي تشرق في نفس الوقت في بلد أخرى، بسبب كروية الأرض، فما معنى الحديث ؟ وكيف نفهمه؟

ثالثًا: لا أحد ينكر أن عبودية البشر للبشر فيها ظلم واضح، وهي ضد الإنسانية التي جاء بها الإسلام، والسؤال : إذا كان الإسلام حرَّم الخمر التي كانت موجودةً قبله، فلماذا لم يحرم الرِّقَّ تحريما قاطعًا؟ رغم اتخاذه كلَّ الوسائل التي تقلل منه؛ كتوحيد المدخل إلى الرق، والتكثير من طرق التخلص منه؛ كالعتق وغيره، لكن ما سبب عدم تحريمه مع أن الإسلام دين المساواة ؟

رابعا: ملك اليمين ومسألة زواجهم بلا عدد وعورتهم وطرق الزواج منهم ومنافاتها لكون الإسلام دين المساواة والعدل.

خامسًا: لماذا يقتل المرتد مع كون الإسلام دينا لا إكراه فيه ؟

جزاكم الله خيرًا، مع أملنا في أن تركزوا في بيان الأمر على جانب الإقناع العقلي قدر الإمكان ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

عنهم: سارة عثمان سيد عثمان/ طالبة جامعية في السنة الأولى 21/7/2013م 12 رمضان 1434هـ”

الجواب:

أ- المقرر عند أهل السنة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة في ثلث الليل الآخر، وهذا النزول لا يقتضي خلو العرش عند جمهور السلف ومحققي أهل الإثبات، وأما كيفيته فغير معقولة، ولم يرد بها خبر لتُعلم، فالخوض فيها تكَلُّف، بيد أنا نعلم أن ما يستحيل علينا لا يلزم أن يستحيل على ربنا تعالى، ثم إنا نعقل من أنفسنا ما يدعو لقبول ذلك فروح المرء بين جنبيه متعلقة ببدنه، ومع ذلك تعرج وتجول أثناء نومه، كما قال ربنا تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) سورة الزمر الآية (42)، فلم يمتنع أن تعرج إليه سبحانه مع بقاء تعلق لها بالبدن حال النوم، وهكذا يقال في بقاء الليل لا يلزم من نزوله فيه خلو العرش، ولاندري كيف ذلك، والسؤال عنه بدعة باطلة، وذلك أن سبيل العلم إما رؤية، أو رؤية مثيل، أو خبر صادق بكيف ذلك، وكله منتف في حق نزوله سبحانه، والله عز وجل برحمته لم يحملنا إصر تصوره، لعجز عقولنا التي لا تكاد تدرك غير ليل ونهار في أرض ضمن مجموعة شمسية من شموس كثيرة في مجرات عديدة! فكيف تقيس وتحسب، أو تدرك وتعقل، كنه من علا على ذلك كلَّه، وكان ما ذكرت بالنسبة لكرسيه كحلقة مرمية بفلاة!

ثم إن الأرض ليست كلها مأهولةً بطلاب المغفرة من المكلفين، والمهم ألا تقيس ما يلزم الخلق، فتلزم به الخالق العظيم سبحانه وتعالى.

ب- سجود الشمس والدواب ونجم البحر والشجر والكائنات ثابت، قال تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) سورة النحل الآية (49)، فهذا السجود من جنس سجود الشمس، وهو كمال خضوع وائتمار وسخرة، ولايلزم أن يكون السجود هُوِيًّا على الركب والأعضاء المعروفة، وليس في حديث أبي ذر ما يفيد أن ذلك كلَّ وقت غروبٍ على كل أرض، ولايبعد أن يكون استئذانها مرة في اليوم باعتبار بعض البقاع، مع أن خضوعها لله عز وجل في كل حين، وأما ما في السؤال من ربط الليل والنهار بدوران الأرض حول الشمس فغلط، إذ ليس ذلك ناجمًا عن دوران الأرض حول الشمس، وإنما يعزى لدوران الأرض حول محورها، وعلم الفلك الحديث يفيد حركة الشمس، وحركة الأرض كليهما، وأما كيفية ذلك ففيها تفاصيل ليست من موضوع هذا الجواب، لكنها ليست كما يتصوره كثيرون؛ [دورانٌ حول جرم الشمس الثابت].

ج- الرق كان موجودًا قبل الإسلام في الديانات والأمم كلِّها، كتابيِّها ووثنيِّها، وليس شيئًا حدث في الإسلام ليعاب به، فإن قدر أن يكون عيبا فاليهودية والنصرانية أولى بالعيب به! وشرائع الإسلام حكيمة جاءت متشوفةً للحرية، إذ الحر أكملُ قدرةً على القيام بحقوق عبودية الله عز وجل، بخلاف من تعلقت به حقوقٌ لمولاه الذي اشتراه، فهذا يقيِّده الرق في بعض التكاليف الشرعية، وتفصيلها يطول، فللرقيق أحكام في سائر كتب الفقه، بدءًا بالعبادات، وانتهاءً بالقضاء والشهادات والإقرار، وليس تشوف الإسلام للحرية لكون الإسلام دينَ المساواة، بل لا يطلق القول بأن دين الإسلام دينُ المساواة، ولكن هو دين العدل الذي يسوي بين المتساويين إلا حيث اختلفا، ويفرق بين المختلفين إلا حيث تساويا، فلا يستوي المؤمن والكافر في دين الله ولا عند الله، (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) سورة القلم الآية (36،35)، وأكثر ما جاءت المساواة في القرآن منفية، (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة المائدة الآية (100)، (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) سورة السجدة الآية (18)، (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) سورة الحشر الآية (20)، والفرق في الشرع ظاهرٌ بَيْنَ من خَضَعَ لله طوعًا وأسلم له اختيارا فاستحق أن يكون محرَّرًا لله، وبين من حارب على الكفر وعبد الطاغوت فاستحق الكبت والرق، جزاءً وفاقًا لعبوديته لمن دون الله.

والرق في الشرع عَجْزٌ حكمي سببه الكفر، والسبب إذا أثر في مسبَّبه يبقى أثره، وهذا ظاهر في الأمور الطبيعية، وكذلك في الشرعية، فلو أسلم الرقيق بعد استرقاقه بقي على رقه، ولو أنجبت الأمة بقي أثر استرقاقها وتبعها فيه أولادها، غير أن شريعة الإسلام تشوفت لتحرير هؤلاء وجعلت لذلك موجباتٍ شتى، بدءًا من كفارة اليمين، ثم حثت عليه صدقة ونفلا، دون هضمٍ لحق المالك الذي تملك بسبب شرعي يعود إلى المقصد الكلي من خلق الخليقة، وهو عبادة الله وحده، والبراءة من الشرك وأهله.

وهذه الأحكام لا يجوز أن يجد المسلم حرجًا في صدره منها، وهي أشرف وأعدل من دعوى المساواة بين الكفر والإيمان والحق والباطل، والذي ينبغي أن يتوارى خجلا من سفه رأيه هو الذي يجعل للكافر الحربي المتغلب عليه حقاً كحق المسلم!

نعم حالُ الضعف الذي تعيشه الأمة لا يساعد على العمل بهذا الأحكام اليوم، لكن لابد من تقررها في النفوس واعتقاد فضلها وحسنها، كشأن كل ما منعه العجز، لا يؤمر به بل قد ينهى عنه، ويبقى القوي القادر خيرًا من العاجز المعذور بعجزه.

د – أما ملك اليمين فليس في دين الله زواجٌ منهن بلا عدد، بل فيه تسري المستبرأة التي ليس لها زوج بشروط مفصلة في كتب الفروع، وليس هذا بزواج، وإذا تقرر جواز الملك وحسنه على ما وصف في الجواب المتقدم، فتسري الأمة دونه فمن ملك امرأة ملك بضعها، وفيه مصلحة لها، من جهة كونه استمتاعًا، ومن جهة عتقها إن صارت أمَّ ولد، وقد تسرى الأنبياء عليهم السلام، كما هو مثبت في كتب أهل الكتاب، وتسرت من قبلهم ومن بعدهم من الأمم يونانا وإغريقا، فرسا وروما، كما تسرى نبينا صلى الله عليه وسلم، وتسرى صحابته من بعده، فلا وجه لانكار ذلك واستعظامه، ومن الانتكاس في العقل والفطرة استهجانه لمجرد مقررات أقوام لا نظر لهم؛ تبيح قوانينهم الحادثة أن يزني الرجل بألف امرأة، وتشرع فتح دور البغاء وتقنن استئجار الأبضاع، ثم تأتي لتستنكر ما صنعه الأنبياء بغير مقتض للنكير!

والواجب على المسلم أن يعتز بتشريع ربه العليم الحكيم وأن يبصر فضله على الشرائع الوضعية، وأن لا يسلك سبيل من ضعف يقينه من الذين طفقوا يعتذرون عن كل فضيلة جاء بها الإسلام! وليعلم أن الطاعنين لن يقفوا عند حدٍّ إن تنازل لهم بالتأويل حتى يبدل شرع الله، فينكر التعدد، ويندد بالتفاضل في المواريث، ويتنصل من القوامة، إلى غير ذلك، وكثير من أعداء الشريعة الطاعنين فيها بأحكام الرقيق والإماء التي يعلمون تعطلها في هذا العصر، غرضهم أن تستنكر ما ينكرون، وأن تعمل معول التأويل لتهدم مقررات شرعية في نفسك وإن لم يكن لها حضور في الواقع، ليسهل ما بعدها مما له في الواقع حضور.

وأما عورة الأمة ففيها نزاع، وليس ثمة دليل ظاهر على قول من يقول هي من الركبة إلى السرة كالرجل، بل الظاهر أنها كالحرة، والقول بأنه يجوز لها كشف ما جرت العادة بكشفه وما تقتضيه الخدمة قريب له وجه، مع أن الحديث عن العورات لا ينبغي أن يخوض فيه دعاة التعري ونشر الرذيلة، وأية صفاقة وجه تلك التي تجعل أحدهم يطعن على الإسلام بقول بعض الفقهاء في عورة الأمة بينما هو يدعو لتعري الحرة!

هـ – لا يكره أحد على اعتناق الإسلام ابتداءً، ولهذا أقر الكافر بالجزية، وأبيحت في أسير الحربيين واحدة من خمس تصرفات معروفة عند الفقهاء، ومن دخل في الإسلام لابد أن يدخل فيه عن قناعة به، حتى نقل بعض العلماء الاتفاق على أنه لا يقبل التقليد في العقيدة، وهذا إن قصدت به الأصول التي لا يكون الإيمان إلاّ بها كوجود الله ووحدانيته فهو حق، وهذه إما أن تتقرر بعلم ونظر أو بالفطرة. وإذا كان لا يُكرَهُ أحدٌ على الدخول في الإسلام، ولا بد في ثبوت عقده له من إيمان فطري أو علمي، فالردة حينها مظنة الطعن في الدين والتشكيك فيه، كما قال الله تعالى في أسلافٍ للمرتدين: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [آل عمران: 72]، ولهذا منع إعلان الردة حسماً لمادة التلاعب في العقيدة والتشكيك في الدين، وجاء الأمر بقتل المرتد، زجرًا عن الدخول في الدين بقصد التشكيك فيه، إذ المرتد يقول بلسان حاله: إنه قد دخل الإسلام ولم يجده صالحًا. أما إن كان ارتداده لشبهة وردت عليه لم يطق دفعها، فحري به أن يرجع بعد البيان، والشرع لم يجىء بقتل المرتد فور ردته، بل الصحيح من أقوال أهل العلم وجوب التبيين له والاستتابة قبل إقامة الحد، وهذه تدفع قتل من خرج لشبهة عارضة أو وسوسة. والمقصود أن تشريع قتل المرتد جاء لحكمة ظاهرة وهي حسم مادة التلاعب بالدين والطعن فيه أو التشكيك، ومع ذلك روعي من قد تدفعه للردة وساوس أو شبهات، فأوجب المحققون الاستتابة والبيان، وبحمد الله ما وُجِدَ على مر التاريخ الإسلامي أحدٌ تذوق طعم الإيمان ثم أراد الخروج منه طواعية، كما سأل هرقلُ عظيم الروم أبا سفيان بنَ حربٍ وقد كان أبو سفيان إذ ذاك مشركًا مناوئًا للإسلام وأهله، ولكنه شهدَ شهادة الحق، كما جاء في رواية البخاري: “هل يرتد أحد منهم؟ فأجاب بلا، وذلك حين تخالط بشاشة الإيمان القلوب”.

والله أعلم.