بالنسبة لجماعة الإخوان؛ فهي جماعة فكرية منهجية سياسية، ليست مذهباً عقدياً بحيث إنها تُجعل قسيماً للسنة مثلاً، أو الخوارج أو الجهمية أو المعتزلة أو المرجئة أو الشيعة وغير ذلك، ولهذا تجد منهم من ينتمي إلى منهج السلف، وتجد منهم من ينتمي إلى منهج الأشاعرة أو غير ذلك. وليست كذلك أيضاً مذهباً فقهياً، بحيث تجعل قسيماً […]
بالنسبة لجماعة الإخوان؛ فهي جماعة فكرية منهجية سياسية، ليست مذهباً عقدياً بحيث إنها تُجعل قسيماً للسنة مثلاً، أو الخوارج أو الجهمية أو المعتزلة أو المرجئة أو الشيعة وغير ذلك، ولهذا تجد منهم من ينتمي إلى منهج السلف، وتجد منهم من ينتمي إلى منهج الأشاعرة أو غير ذلك.
وليست كذلك أيضاً مذهباً فقهياً، بحيث تجعل قسيماً للشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة أو الظاهرية، ولهذا تجد منهم من هو الحنفي أو الشافعي أو المالكي، وكذلك أيضاً الحنبلي، وتجد منهم الظاهري وتجد أيضاً من ينتسب ربما لبعض أهل الحديث. ولهذا نقول إنهم مذهب يعتني بإصلاح جانب الأمر العام، وكذلك أيضاً ما يتعلق بأمر السياسية.
هذا المزيج والخليط الذي يكون في المذاهب الفقهية التي يجتمعون عليها؛ أوجد لديهم شيئاً من التسامح في مثل هذه الأمور، ولذلك تجد مثلاً نوعًا من التقارب في بعض الآراء الفقهية والتسامح الذي يكون ربما في مخالفة الأدلة الصريحة. كذلك أيضاً ما يتعلق ببعض الأمور في جانب العقائد وغيرها، فتجد منهم مثلاً السلفي وتجد منهم من يسلك مذهب الأشاعرة وغير ذلك. والغاية من ذلك هو ما يتعلق بجانب إصلاح السياسة، وذلك أنه مر بالأمة الإسلامية فترة خُلقت فيها فجوةٌ بين أمور الدولة وتنظيمها في العالم الإسلامي بعد انفكاك الخلافة، وأصبحت العبادات والتدين تتعلق بأفراد الناس، فأرادوا أن يأخذوا ما يتعلق بأمور التدين ويرفعوها إلى أعلى بحيث يصلح أمر الأمة، وهذا ربما أداهم بهم إلى شيء من التنازلات. ولكن ينبغي أن نعلم أن ما يتعلق بأمثال هذه الطائفة أو هذا الحزب ونحو ذلك؛ ينبغي أن ينظر إليه من جهات مثل جهة الخصوم الذين يخاصمونهم ويقعون فيهم، حيث نعلم أن كثيراً من السياسات التي فكت الدين عن جانب السياسية، لا يخاف أهلها على الإسلام من الإخوان، وإنما يخافون على السياسة من الإخوان، ولو دثروا ببعض العبارات التي يخافون فيها من الإسلام ووصمه بالبدعة ونحو ذلك، نقول وإن صدقوا في بعض هذه الأقوال فإنها تتخذ دثاراً للمواجهة، بحيث يكون في ذلك إسقاط حتى لا يتم في ذلك إصلاح لجانب السياسية. ولهذا نجد أن ممن يحارب أمثال هذه التيارات دولٌ تحل الزنا برضا الطرفين، أو ما يتعلق ببيع الخمور في كثير من المواضع وغير ذلك، بل حتى عدم الاعتراف بحق الله تعالى بجانب التشريع. ولهذا نقول إنه ينبغي في حال الموازنات في أمور الأحزاب أن نرجع في ذلك إلى كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ننظر في أمور الموازين بحيث إنه إذا تمت مواجهة بين طرفين أن يُنظر إلى أقربهما إلى الحق.
من نظر إلى حال كثير من الطوائف البدعية أو الطوائف التي لديها شيء يسيرٌ من الحق على تباينها تجد أنها إما تواجه كفراً أكبر، أو شركًا أو بغياً عظيماً هي دون ذلك، والعدل في ذلك هو من الأمور المهمة جداً التي ينبغي أن يُعمل بها. ولهذا نقول يصعب أن يحكم على ما يتعلق بالجماعة كاملة، ما يتعلق مثلاً بجماعة الإخوان، أن توصف وصفاً كلياً يقع على جميع أفرادها على تباينهم في ذلك واختلافهم على ما تقدم تأصيلُه أنها هي منهج فكري منهجي سياسي لا يتعلق بمسائل تقعيد مثل ما يتعلق بمسائل العقائد، ولذلك لا يكاد يوجد لهم تدوين فيما يتعلق بالتصنيف في مسائل العقائد، وكذلك أيضاً في الفروع الفقهية، ولهذا تجد منهم من ينزع منزع الشافعي، ومنهم من ينزع منزع أبي حنيفة، ومنهم من ينزع مذهب الإمام أحمد عليه رحمة الله. و لهذا نقول إذا وقع لهم خلاف مع غيرهم ينظر إلى غيرهم من جهة إقامته لشريعة الله سبحانه وتعالى، وامتثال أمره، ثم بعد ذلك يقيَّمون عليه، وهذا من العدل الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به، كيف وهم داخلون داخل دائرة الإسلام، وهم من أقرب الناس إلى منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، ولهذا نقول إنه ينبغي العدل والإنصاف في ذلك، خاصة ما يتعلق بالطوائف وكذلك أيضاً السياسات والحكومات التي تحاول عدم وصول الإسلام إلى إصلاح السياسات وإصلاح ما يتعلق بحكم الله سبحانه وتعالى وقضائه في الناس، وهذا من العدل والإنصاف الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به، وهو من القسط والشهادة لله جل وعلا بأن يؤديها الإنسان كما أمره الله سبحانه وتعالى.
ومن الأمور المهمة خاصة فيما يتعلق مثلاً بالأحزاب أو الطوائف الذين يقومون بالتصارع ونحو ذلك، أنه لابد من النظر إلى دائرة أوسع من ذلك، مَن المستفيد من أمثال هذا الصراع؟ إذا كان ثمة استفادة من طائفة هي أخطر على الأمة من الصراع في هذا الأمر، فنقول على الأمة أن تتراحم فيما بينها، وأن تغض الطرف ما استفاد عدو أعظم من ذلك الصراع. ولهذا ينبغي أن يتراحم المسلمون فيما بينهم خاصة في ما يتعلق بالطوائف أو الفرق أو المذاهب، إذا كان يستفيد من هذا الصراع من هو أعظم، مع عدم إهمال الأخطاء على سبيل الانفراد، بحيث تبين هذه الأخطاء ويدون فيها مثلاً بعيداً عن التخوين أو نحو ذلك.
نجد أن بعض الطوائف قد تتصارع مع كفر، فلا يجوز حينئذ أن يقوم الإنسان بمواجهتها، لماذا؟ لأنها تتصارع مع عدوٍ أعظم من ذلك، ولهذا ابن تيمية رحمه الله لما قاتل التتار قاتل معه طوائف من المخالفين له، سواءً كانوا من الأشاعرة أو كانوا من الصوفية وغيرهم، ولهذا أيضاً تجد في قتال العُبَيْدِيِّين للطوائف مثلاً فإنه كان قائد أولئك من الخوارج، وذلك لأنهم يقاتلون دولة خارجة عن دين الإسلام، فلا بد من النظر إلى الجهة المخالفة في ذلك، وهذا من العدل.
كذلك أيضاً في الطوائف المخالفة أو التي هي خارج دائرة الإسلام، ينبغي أن ينظر إليها باعتدال، ولذلك لما ذهب الزبير بن العوام وجعفر وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للهجرة الأولى إلى النجاشي وخرج خارج عليه، يقول الزبير بن العوام “وقد نفخوا لي قربةً حتى جاوزت بذلك النهر لأنظر ما فعل النجاشي مع عدوه، فغلب النجاشي فذهبت إلى أصحابي مبشراً لهم”. وكان النجاشي لم يسلم حينئذٍ، وهذ انتصار من النجاشي لأنهم يرون فيه شيئًا من العدل والإنصاف على رجل باغٍ في ذلك. ولهذا نقول لابد من الإنصاف في ذلك.
فعندما نجد بعض الطوائف الإسلامية تواجه كفراً محضاً كالعلمانية أو غير ذلك، ينبغي ألا يتوجه إليها بالإقصاء مثلاً حتى لا يستفيد عدوها، لأن إضعافها يعني تمكين من هو أشد منها ضلالاً، أما ما يقع فيه من أخطاء فإنه يقام بتصحيحه وبيانه للناس على سبيل العموم، لا بالمواجهة والإثخان، وهذا من المصالح الشرعية التي لا يرعاها إلا عاقل، عالم، صادق، صالح، وذو حظٍ عظيم من الدين والرفق بالناس، بعيداً عن الغل، والحقد، والحسد، أو التربص.
وكذلك أيضاً كثيراً من الناس في حال نقده وتوجهه إلى الناس؛ يستحضر في قلبه شخصا عظيماً، إما أن يستحضر ملكاً أو أميراً أو وزيراً أو سياسة أو دولة، ولا يستحضر الله سبحانه وتعالى وعظمته والانتصار لدينه، وربما يتخلل في قلب الإنسان الانتصار لدين الله سبحانه وتعالى في ظاهر أمره، وهو من جهة الحقيقة مشوبٌ بشيء من الهوى، الحقد على فلان مثلاً لبروزه أو لعلمه أو لسيادته، لمنصبه، لجاهه لماله وثرائه الذي آتاه الله عز وجل، لجماله، لسياسته، لحذقه، وغير ذلك. ينبغي أن نتجرد وأن ننصف في ذلك الحق وأن نبعد الأحقاد والغل وأن ننصف في دين الله عز وجل، فهذا مما أمرنا الله سبحانه وتعالى به للعدل والإنصاف. وألا تأخذنا نفوسنا وما فيها من غلٍ أن نخلط به في ذلك الحق. ولهذا يقول الله عز وجل (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ).
الحقد أو الغل الذي تجده على شخص، افصله عن الحق الذي أنزله الله عز وجل، فثمة ميزان دقيق يخرج الله به عز وجل شائب كثير من الناس، في دعوته، في إصلاحه، في جرحه وتعديله ونقده، يكون مشوبا، الله عز وجل لا يقبل من ذلك إلا ما كان خالصاً، جوهراً نقياً. وقد يأتي النقد في الميزان فتجد ثلاثة أرباعه قد ذهب هباءً منثوراً، لأنه لحظ النفس، ولا يبقى في الميزان إلا شيء يسير، ويبقى وزر ذلك على الإنسان عافانا الله وإياكم من ذلك.